روح المعاني — الألوسي

عن الكتاب
﴿قَالُواْ﴾ أي بطريق التناجي والإسرار ﴿إِنْ هاذان لساحران﴾ الخ فإنه تفسير لذلك ونتيجة التنازع وخلاصة ما استقرت عليه آراؤهم بعد التناظر والتشاور.
وقيل : كان نجواهم أن قالوا حين سمعوا مقالة موسى عليه السلام ما هذا بقول ساحر، وروي ذلك عن محمد بن إسحاق. وقيل : كان ذلك أن قالوا : إن غلبنا موسى اتبعناه، ونقل ذلك عن الفراء. والزجاج.
وقيل : كان ذلك أن قالوا : إن كان هذا ساحراً فسنغلبه وإن كان من السماء فله أمر، وروي ذلك عن قتادة، وعلى هذه الأقوال يكون المراد من ﴿أَمَرَهُمْ﴾ [طه: ٦٢] أمر موسى عليه السلام وإضافته إليهم لأدنى ملابسة لوقوعه فيما بينهم واهتمامهم به ويكون إسرارهم من فرعون وملئه، ويحمل قولهم :﴿إِنْ هاذان لساحران﴾ الخ على أنهم اختلفوا فيما بينهم من الأقاويل المذكورة ثم استقرت آراؤهم على ذلك وأبوا إلا المناصبة للمعارضة وهو كلام مستأنف استئنافاً بيانياً كأنه قيل : فماذا قالوا للناس بعد تمام التنازع فقبل :﴿قَالُواْ إِنْ هاذان﴾ الخ.
وجعل الضمير في ﴿قَالُواْ﴾ : لفرعون وملئه على أنهم قالوا ذلك للسحرة رداً لهم عن الاختلاف وأمرا بالإجماع والإزماع وإظهار الجلادة مخمل بجزالة النظم الكريم كما يشهد به الذوق السليم، نعم لو جعل ضمير ﴿تنازعوا﴾ والضمائر الذي بعده لهم كما ذهب إليه أكثر المفسرين أيضاً لم يكن فيه ذلك الإخلال وإن مخففة من إن وقد أهملت عن العمل واللام فارقة.
وقرأ ابن كثير بتشديد نون ﴿هذان﴾ وهو على خلاف القياس للفرق بين الأسماء المتمكنة وغيرها.
وقال الكوفيون : إن نافية واللام واللام بمعنى إلا أي ما هذان إلا ساخران. ويؤيده أنه قرئ كذلك. وفي رواية عن أبي أنه قرأ ﴿إِن هذان إِلا ساحران﴾. وقرئ ﴿إن ذان﴾ بدون هاء التنبيه ﴿إِلا ساحران﴾. وعزاها ابن خالويه إلى عبد الله. وبعضهم إلى أبي وهي تؤيد ذلك أيضاً. وقرئ ﴿إن ذان لساحران﴾ بإسقاط هاء التنبيه فقط.
وقرأ أبو جعفر. والحسن. وشيبة. والأعمش. وطلحة. وحميد. وأيوب. وخلف في اختياره. وأبو عبيد. وأبو حاتم. وابن عيسى الأصبهاني. وابن جرير : وابن جبير الأنطاكي. والأخوان. والصاحبان من السبعة ﴿إن﴾ بتشديد النون ﴿هذان﴾ بألف ونون خفيفة، واستشكلت هذه القراءة حتى قيل : إنها لحن وخطأ بناءً على ما أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن عن هشام بن عروة عن أبيه قال : سألت عائشة رضي الله تعالى عنها عن لحن القرآن عن قوله تعالى :﴿إِنْ هاذان لساحران﴾. وعن قوله تعالى :﴿والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكواة﴾ [النساء: ١٦٢] وعن قوله تعالى :﴿والذين هَادُواْ والصابئون﴾ [المائدة: ٦٩] فقالت : يا ابن أخي هذا عمل الكتاب أخطؤوا في الكتاب، وإسناده صحيح على شرط الشيخين كما قال الجلال السيوطي.
وهذا مشكل جداً إذ كيف يظن بالصحابة أولاً أنهم يلحنون في الكلام فضلاً عن القرآن وهم الفصحاء اللد، ثم كيف يظن بهم ثانياً الغلط في القرآن الذي تلقوه من النبي ﷺ كما أنزل ولم يألوا جهداً في حفظه وضبطه وإتقانه، ثم كيف يظهر بهم ثالثاً اجتماعهم كلهم على الخطأ وكتابته، ثم كيف يظن بهم رابعاً عدم تنبههم ورجوعهم عنه، ثم كيف يظن خامساً الاستمرار على الخطأ وهو مروى بالتواتر خلفاً عن سلف ولو ساغ مثل ذلك لارتفع الوثوق بالقرآن.
وقد خرجت هذه القراءة على وجوه، الأول أن ﴿ءانٍ﴾ بمعنى نعم وإلى ذلك ذهب جماعة منهم المبرد والأخفش الصغير وأنشدوا قوله :
بكر العواذل في الصبوح يلمنني وألومهنه
ويقلن شيب قد علاك وقد كبرت فقلت إنه
والجيد الاستدلال بقول ابن الزبير رضي الله تعالى عنهما لمن قال له : لعن الله ناقة حملتني إليك إن وراكبها إذ قد قيل : في البيت إنا لا نسلم أن إن فيه بمعنى نعم والهاء للسكت بل هي الناصبة والهاء ضمير منصوب بها والخبر محذوف أي إنه كذلك ولا يصح أن يقال : إنها في الخبر كذلك وحذف الجزءان لأن حذف الجزأين جميعاً لا يجوز. وضعف هذا الوجه بأن كونها بمعنى نعم لم يثبت، أو هو نادر. وعلى تقدير الثبوت من غير ندرة ليس قبلها ما يقتضي جواباً حتى تقع نعم في جوابه. والقول بأنه يفهم من صدر الكلام أن منهم من قال : هما ساحران فصدق وقيل : نعم بعيد. ومثله القول بأن ذلك تصديق لما يفهم من قول فرعون :﴿أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يا موسى﴾ [طه: ٥٧] وأيضاً إن لام الابتداء لا تدخل على خبر المبتدأ.
وأجيب عن هذا بأن اللام زائدة وليست للابتداء كما في قوله :
أم الحليس لعجوز شهربهترضى من اللحم بعظم الرقبة
أو بأنها داخلة على مبتدأ محذوف أي لهما ساحران، كما اختاره الزجاج وقال : عرضته على عالمنا وشيخنا وأستاذنا محمد بن زيد يعني المبرد. والقاضي إسماعيل بن إسحاق بن حماد فقبلاه، وذكرا أنه أجود ما سمعناه في هذا أو بأنها دخلت بعد إن هذه لشبهها بأن المؤكدة لفظاً كما زيدت أن بعد ما المصدرية لمشابهتها للنافية في قوله :
ورج الفتى للخير ما إن رأيتهعلى السن خيراً لا يزال يزيد
ورد الأول : بأن زيادتها في الخبر خاصة بالشعر وما هنا محل النزاع فلا يصح الاحتجاج به كما توهم النيسابوري. وزيف الثاني أبو علي في الإغفال بما خلاصته أن التأكيد فيما خيف لبسه فإذا بلغ به الشهرة الحذف استغنى لذلك عن التأكيد، ولو كان ما ذكر وجهاً لم يحمل نحو لعجوز شهربة على الضرورة ولا تقاس على أن حيث حذف معها الخبر في :
إن محلا وإن مرتحلا *** وإن اجتمعا في التأكيد لأنها مشبهة بلا وحمل النقيض على النقيض شائع، وابن جني بأن الحذف من باب الإيجاز والتأكيد من باب الأطناب والجمع بينهما محال للتنافي.
وأجيب : بأن الحذف لقيام القرينة والاستغناء غير مسلم والتأكيد لمضمون الجملة لا للمحذوف والحمل في البيت ممكن أيضاً واقتصارهم فيه على الضرورة ذهول وكم ترك الأول للآخر واجتماع ألا يجازوا الأطناب مع اختلاف الوجه غير محال. وأصدق شاهد على دخول اللام في مثل هذا الكلام ما رواه الترمذي. وأحمد. وابن ماجه «أغبط أوليائي عندي لمؤمن خفيف الحاذ » نعم لا نزاع في شذوذ هذا الحذف استعمالاً وقياساً.
الثاني : أن إن من الحروف الناصبة واسمها ضمير الشأن وما بعد مبتدأ وخبر والجملة خبرها، وإلى ذلك ذهب قدماء النحاة. وضعف بأن ضمير الشان موضوع لتقوية الكلام وما كان كذلك لا يناسبه الحذف والمسموع من حذفه كما في قوله :
إن من لام في بني بنت حسان ألمه وأعصه في الخطوب
وقوله :
إن من يدخل الكنيسة يومايلق فيها جآذرا وظباء
ضرورة أو شاذ إلا في باب إن المفتوحة إذا خففت فاستسهلوه لوروده في كلام بني على التخفيف فحذف تبعاً لحذف النون ولأنه لو ذكر لوجب التشديد إذ الضمائر ترد الأشياء إلى أصولها، ثم يرد بحث دخول اللام في الخبر، وإن التزم تقدير مبتدأ داخلة هي عليه فقد سمعت ما فيه من الجرح والتعديل، الثالث : أنها الناصبة وهاء ضمير القصة اسمها وجلمة ﴿هاذان لساحران﴾ خبرها، وضعف بأنه يقتضي وصل ها بإن من إثبات الألف وفصل ها من ﴿ذان﴾ في الرسم وما في المصحف ليس كذلك، ومع ذلك يرد بحث دخول اللام.
الرابع : أن إن ملغاة وإن كانت مشددة حملا لها على المخففة وذلك كما أعملت المخففة حملا لها عليها في قوله تعالى :﴿وَإِنَّ كُلاًّ لَّمَّا لَيُوَفّيَنَّهُمْ﴾ [هود: ١١١] أو حطاً لرتبتها عن الفعل لأن عملها ليس بالأصالة بل بالشبه له وما بعدها مبتدأ وخبر وإلى ذلك ذهب علي بن عيسى. وفيه أن هذا الإلغاء لم ير في غير هذا الموضع وهو محل النزاع وبحث اللام فيه بحالة. الخامس : وهو أجود الوجوه وأوجهها. واختاره أبو حيان. وابن مالك. والأخفش. وأبو علي الفارسي. وجماعة أنها الناصبة. واسم الإشارة اسمها : واللام لام الابتداء و ﴿ساحران﴾ خبرها ؛ ومجيء اسم الإشارة بالألف مع أنه منصوب جار على لغة بعض العرب من إجراء المثنى بالألف دائماً قال شاعرهم :
واها لريا ثم واها واهايا ليت عيناها لنا وفاها
وموضع الخلخال من رجلاهابثمن نرضى به أباها
وقال الآخر :
وأطرق إطراق الشجاع ولو يرىمساغاً لنا باه الشجاع لصمما
وقالوا : ضربته بين أذناه ومن يشتري الخفان وهي لغة الكنانة حكى ذلك أبو الخطاب ولبني الحرث بن كعب. وخثعم. وزبيد. وأهل تلك الناحية حكى ذلك الكسائي. ولبني العنبر. وبني الهيجم. ومراد وعذرة. وقال أبو زيد : سمعت من العرب من يقلب كل ياء ينفتح ما قبلها ألفاً، وابن الحاجب يقول : إن ﴿يَشَاء هذان﴾ مبني لدلالته على معنى الإشارة. وإن قول الأكثرين هذين جراً ونصباً ليس إعراباً أيضاً.
قال ابن هشام : وعلى هذا فقراءة هذان أقيس إذ الأصل في المبنى أن لا تختلف صيغته مع أن فيها مناسبة لألف ﴿*ساحران﴾ اه. وأما الخبر السابق عن عائشة فقد أجاب عنه ابن أشته وتبعه ابن جبارة في شرح الرائية بأن قولها : اخطؤوا على معنى أخطؤوا في اختيار الأولى من الأحرف السبعة لجمع الناس عليه لا أن الذي كتبوا من ذلك خطأ لا يجوز فإن ما لا يجوز من كل شيء مردود بالإجماع وإن طالت مدة وقوعه وبنحو هذا يجاب عن أخبار رويت عنها أيضاً.
وعن ابن عباس في هذا الباب تشكل ظواهرها. ثم أخرج عن إبراهيم النخعي أنه قال : إن هذان لساحران وإن هذين لساحران سواء لعلهم كتبوا الألف مكان الياء يعني أنه من إبدال حرف في الكتابة بحرف كما وقع في صلاة وزكاة وحياة. ويرد على هذا أنه إنما يحسن لو كانت القراءة بالياء في ذلك. ثم أنت تعلم أن الجواب المذكور لا يحسم مادة الإشكال لبقاء تسمية عروة ذلك في السؤال لحناً اللهم إلا أن يقال : أراد باللحن اللغة كما قال ذلك ابن اشته في قول ابن جبير المروي عنه بطرق في ﴿والمقيمين الصلاة﴾ [النساء: ١٦٢] هو لحن من الكاتب أو يقال : أراد به اللحن بحسب بادئ الرأي : وابن الأنباري جنح إلى تضعيف الروايات في هذا الباب ومعارضتها بروايات أخر عن ابن عباس. وغيره تدل على ثبوت الأحرف التي قيل فيها ما قيل في القراءة. ولعل الخبر السابق الذي ذكر أنه صحيح الإسناد على شرط الشيخين داخل في ذلك لكن قال الجلال السيوطي : إن الجواب الأول الذي ذكره ابن اشته أولى وأقعد. وقال العلاء فيما أخرجه ابن الأنباري وغيره عن عكرمة قال : لما كتبت المصاحف عرضت على عثمان فوجد فيها حروفاً من اللحن فقال : لا تغيروها فإن العرب ستغيرها أو قال : ستقرؤها بألسنتها لو كان الكاتب من ثقيف والمملي من هذيل لم توجد فيه هذه الحروف إن ذلك لا يصح عن عثمان فإن إسناده ضعيف مضطرب منقطع.
والذي أجنح أنا إليه والعاصم هو الله تعالى تضعيف جميع ما ورد مما فيه طعن بالمتواتر ولم يقبل تأويلاً ينشرح له الصدر ويقبله الذوق وإن صححه من صححه.
والطعن في الرواة أهون بكثير من الطعن بالأئمة الذين تلقوا القرآن العظيم الذي وصل إلينا بالتواتر من النبي ﷺ ولم يألوا جهداً في إتقانه وحفظه.
وقد ذكر أهل المصطلح أن مما يدرك به وضع الخبر ما يؤخذ من حال المروى كان يكون مناقضاً لنص القرآن أو السنة المتواترة أو الإجماع القطعي أو صريح العقل حيث لا يقبل شيء من ذلك التأويل أو لم يحتمل سقوط شيء منه يزول به المحذور فلو قال قائل بوضع بعض هاتيك الأخبار لم يبعد والله تعالى أعلم.
وقرأ أبو

تفسير هذه الآية من كتب أخرى