الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
ثم قال تعالى ذكره :﴿قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم﴾[ ٦٢ ].
أي : قالت السحرة في سرهم وتناجيهم : إن موسى وهارون ساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرها.
وفي حرف ابن مسعود ( إن هذان/ إلا ساحران )(١) : أي : ما هذان يخفف ( إن ) يجعلها بمعنى ما.
ومن شدد ( إن ) ورفع ( هذان )(٢) فقد خرج العلماء فيها(٣) سبعة أقوال : فالأول(٤) : أن يكون بمعنى(٥) نعم. حكى سيبويه أن ( إن ) تأتي(٦) بمعنى أجل. واختار هذا القول المبرد وإسماعيل القاضي(٧) والزجاج وعلي بن سليمان(٨).
واستبعد الزجاج قراءة أبي عمرو(٩) ( إن هذين ) لمخالفتها للمصحف(١٠).
وقال علي بن أبي طالب : لا أحصي كم سمعت رسول الله ﷺ على منبره يقول(١١) : " إن الحمد لله نحمده ونستعينه "، يعني يرفع الحمد يجعل ( إن ) بمعنى ( أجل ).
ومعنى : أجل : نعم. ثم يقول : أنا أفصح قريش كلها، وأفصحها بعدي سعيد بن إبان بن العاصي. وكذلك كانت خطباء الجاهلية تفتتح(١٢) خطبها ب( نعم )(١٣)، وكذلك وقعت في أشعارها. قال الشاعر(١٤) :
قال غدرت، فقلت : إن وربما *** نال العلي وشقى الخليل(١٥) الغادر
وقال ابن قيس الرقيات(١٦) :
بكرت على عواذ لييلحينني وألومهنه
ويقلن شيب قد علاكوقد كبرت فقلت إنه
وأنشد ثعلب(١٧) :
ليت شعري هل للمحب شفاءمن جوى حبهن إن اللقاء
أي : نعم(١٨).
فهذا قول حسن لولا دخول اللام في الخبر.
وقد قيل : إن اللام يراد بها التقديم، وهو أيضا بعيد، إنما يجوز التقديم في اللام وهي مؤخرة(١٩) في الشعر.
لكن الزجاج قال(٢٠) : التقدير : نعم هذان لهما ساحران. فتكون(٢١) اللام داخلة على الابتداء في المعنى، كما قال : أم الحليس لعجوز شهربة(٢٢).
وقيل(٢٣) : إن اللام يراد بها التقديم.
وقيل : هي في موضعها، و( العجوز ) مبتدأ، وشهربة(٢٤) الخبر، والجملة خبر عن اللام.
والقول الثاني : ما حكاه أبو زيد والكسائي والأخفش والفراء(٢٥) أنها لغة لبني الحارث بن كعب، يقولون : رأيت الزيدان ومررت بالزيدان، وأنشدوا(٢٦).
- فأطرق إطراق الشجاع ولو يرىمساغا لنا باه الشجاع لصمما
وأنشدوا أيضا(٢٧) :
- تزود منا بين أذناه طعنة علىرأسه تلقى العظام(٢٨) من الفم.
وحكى أبو الخطاب(٢٩) أنها(٣٠) لغة لبني كنانة(٣١).
وحكى غيره(٣٢) أنها(٣٣) لغة خثعم. وهذا القول قول، حسن، لا نطعن فيه لثقة الناقلين لهذه اللغة، وتواتر نقلهم واتفاقهم على ذلك، وقد نقلها أبو زيد، وكان سيبويه إذ قال حدثني من أثق به(٣٤)، فإياه يعني.
ورواه الأخفش(٣٥)، وهو ممن روى عنه سيبويه، وقول سيبويه في ألف التثنية أنها حرف الأعراب، يدل على أن حكمها لا تتغير(٣٦) عن لفظها، كما لا تتغير الدال من زيد، فجاءت في هذه الآية على الأصل، كما جاء ( استحوذ ) على الأصل.
والقول الثالث : قاله الفراء(٣٧). قال : الألف في ( هذان ) دعامة، ليست بلام الفعل، فزدت(٣٨) عليها نونا ولم أغيرها، كما قلت ( الذي ) ثم(٣٩) زدت(٤٠) عليه نونا، ولم أغيرها. فقلت ( الذين ) في الرفع والنصب والجر.
والقول الرابع : يحكى عن بعض الكوفيين أن الألف في هذان مشبهة(٤١) بألف بفعلان، فلم تغير(٤٢) كما لا يغير ألف يفعلان.
والقول الخامس : حكاه الزجاج. قال(٤٣) : القدماء يقولون(٤٤) : الهاء مضمر ها هنا، والمعنى : أنه هذان لساحران، ويعترض هذا القول دخول اللام في الخبر.
والقول السادس : قاله ابن كيسان، قال : سألني إسماعيل ابن إسحاق عنها(٤٥)، فقلت : القول عندي، أنه لما كان يقال هذا في موضع الرفع والنصب والجر، وكانت(٤٦) التثنية يجب ألا تغير، أجريت التثنية مجرى الواحد. فقال إسماعيل : ما أحسن هذا، لو تقدمك احد بالقول به، حتى تؤنس به. فقلت : فيقول القاضي به حتى يؤنس به، فتبسم(٤٧).
والقول السابع : حكاه أبو عمرو وغيره، أنه من غلط الكاتب.
روي أن عثمان وعائشة/ رضي الله عنها قالا : إن في الكتاب غلطا ستقيمه العرب بألستنها.
وعنهما : إن في الكتاب لحنا ستقيمه العرب بألسنتها. وهذا القول قد طعن فيه(٤٨)، لأن أصحاب النبي ﷺ قد أجمعوا على صحة ما بين اللوحين، فلا يمكن أن يجتمعوا على غلط.
فأما من خفف ( إن ) فإنه ما بعدها، لنقصها عن وزن الفعل ويجوز أن يكون أعلمها مخففة على(٤٩) الثقيلة، كما يعمل(٥٠) الفعل محذوفا عمله وهو غير محذوف، إلا أنه أتى ب( هذان )، على الوجوه التي ذكرنا، فأتى بالألف في النصب.
فأما من شدد نون ( هذان )، فإنه جعل التشديد عوضا مما حذف من هذا في التثنية.
وعن الكسائي والفراء في :( إن هذان ) قولان تركنا دكرهما لبعد تأويلهما في ذلك.
ثم قال تعالى :﴿ويذهبا بطريقتكم المثلى﴾[ ٦٢ ].
أي : يغلبكم(٥١) على ساداتكم وإشرافكم. يقال للسيد : هو طريقة قومه. ولفظ الواحد والجمع التثنية سواء. وربما جمعوا فقالوا : هؤلاء طرائق قومهم، أي أشرافهم وساداتهم. ومنه قوله :﴿كنا طرائق قددا﴾.
والمثلى : نعت للطريقة، وهو تأنيث أمثل(٥٢)، وجاز نعت الجماعة بلفظ التوحيد. كما قال :﴿هو له الأسماء الحسنى﴾(٥٣).
ويجوز أن تكون تننننن( المثلى ) أنثت لتأنيث الطريقة.
قال ابن عباس :﴿بطريقتكم المثلى﴾ أي أمثلكم(٥٤)، وهم(٥٥) بنو إسرائيل(٥٦).
وقال مجاهد :( أولي العقول والشرف والأنساب )(٥٧).
وقال قتادة :( كانت طريقتهم المثلى يومئذ بني إسرائيل، كانوا أكثر الناس عددا وأموالا وأولادا )(٥٨).
وقيل : المعنى : ويذهبا بدينكم وسنتكم التي أنتم التي أنتم عليها.
وقال ابن وهب :( يذهبا(٥٩) بالذي أنتم عليه من الدين، وقرأ قول فرعون ﴿إني أخاف أن يبدل دينكم﴾(٦٠) قال : فهذا(٦١) قوله :﴿ويذهبا بطريقتكم المثلى﴾(٦٢).
وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن(٦٣) المعنى : ويصرفان وجوه الناس إليهما(٦٤).
ويكون(٦٥) التقدير : ويذهبا بأهل طريقتكم، ثم حذف، مثل(٦٦) :﴿واسأل القرية﴾(٦٧).
١ انظر: إعراب القرآن للنحاس ٢/٣٤٣..
٢ (هذان) سقطت من ز. قال في الكشف: قرأ ابن كثير وحفص. (قالوا إن) بتخفيف (إن) وشدد الباقون. وقرأ أبو عمرو (هذين) بالياء وقرأ الباقون بالألف. انظر: الكشف ٢/٦٣ والتيسير ١٥١ والحجة لابن خالويه ٢٤٢..
٣ ز: فيه..
٤ فالأول سقطت من ز..
٥ ز: معنى..
٦ تأتي سقطت من ز..
٧ هو إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد بن درهم. شيخ مالكية العراق وعالمهم (ت ٢٨٢ هـ) انظر: ترجمته في تذكرة الحفاظ ٢/٦٢٤ وغاية النهاية ١/١٦٢ وبغية الوعاة ١/٤٤٣ وطبقات المفسرين ١/١٠٦ والرسالة المستطرفة ٣٧..
٨ انظر: معاني الزجاج ٣/٣٦٣ وإعراب القرآن للنحاس ٢/٣٤٣، وعلي بن سليمان بن الفضل النحوي هو أبو الحسن الأخفش الأصغر. (ت ٣١٥ هـ) انظر: ترجمته في بغية الوعاة ٢/١٦٨..
٩ انظر: معاني الزجاج ٣/٣٦٢ والبحر المحيط ٦/٢٥٥..
١٠ ز: للمصاحف..
١١ لم أهتد إلى تخريجه..
١٢ ع: تتفتح، والتصحيح من ز..
١٣ بنعم سقطت من ز..
١٤ البيت في تفسير القرطبي ١١/٢١٨ ولم أهتد إلى تخريجه من غيره..
١٥ ز: العليل (تصحيف)..
١٦ هو عبد اله بن قيس بن شريح الرقيات يضاف إلى الرقيات سمين بهذا الاسم، وقيل لأنه شبب بعدة تسمى كل واحد رقية. انظر: ما يقع فيه التصحيف والتحريف ٤١٤ والبيت في معاني الزجاج ٣/٣٦٣..
١٧ هو أحمد بن يحيى بن يسار الشيباني، مولاهم البغدادي، الإمام أبو العباس ثعلب، إمام الكوفيين في النحو واللغة (ت ٢٩١ هـ) انظر: ترجمته في بغية الوعاة ١/٣٩٦. والبيت في تفسير القرطبي ١١/٢١٨..
١٨ ز: نعم اللقاء. وبعد (نعم) كلمات غير واضحة في (ع) و(ز) لم أستطع أن أقرأها..
١٩ ز: موجود..
٢٠ انظر: معاني الزجاج ٣/٣٦٣..
٢١ ز: فيكون..
٢٢ ز: شهيرة، (تحريف). وقد أتم البيت في ز بقوله (ترضى من اللحم بعظم الرقبة). الخزانة ٣/١٣٠ وفقه اللغة للثعالبي ٣٥٨..
٢٣ ز: فقال،.
٢٤ ز: شهيرة. (تحريف)..
٢٥ انظر: معاني الفراء ٢/١٨٤ ومعاني الأخفش ٢/٤٠٨ والبحر المحيط ٦/٢٥٥..
٢٦ البيت للمتلمس. وهو في معاني الفراء ٢/١٨٤ ومعاني الزجاج ٣/٣٦٢ واللسان (صمم). وأطرق وقف متحيرا. وصمم عضى من العظم..
٢٧ البيت في تأويل مشكل القرآن ٥٠ واللسان (هبا)، ومشكل إعراب القرآن ٢/٣٦٦، وشطره الثاني في هذه المصادر (دعته إلى هابي التراب عقيم)..
٢٨ ز: يلقى الطعام. (تحريف)..
٢٩ ز: أبو طالب. (تحريف)، وأبو الخطاب هو عبد الحميد بن عبد المجيد، أبو الخطاب الأخفش الأكبر. كان إماما في العربية لقي الأعراب وأخذ عنهم. انظر: ترجمته في (بغية الوعاة) ٢/٧٣..
٣٠ إنها سقطت من ز..
٣١ انظر: إعراب القرآن للنحاس ٢/٣٤٥ والبحر المحيط ٦/٢٥٥..
٣٢ انظر: البحر المحيط ٦/٢٥٥..
٣٣ إنها سقطت من ز..
٣٤ ز: أثق له به..
٣٥ ز: ورواها..
٣٦ ع: ألا يتغير..
٣٧ انظر: معاني الفراء ٢/١٨٤..
٣٨ ز: فزيدت..
٣٩ ثم سقطت من ز..
٤٠ ز: مررت (تحريف)..
٤١ ز: مشبه..
٤٢ ز: يغير..
٤٣ انظر: معاني الزجاج ٣/٣٦٤..
٤٤ ع: يقول. والتصحيح من ز..
٤٥ ز: عنه..
٤٦ ز: كان..
٤٧ انظر: إعراب القرآن للنحاس ٢/٣٤٦ وتفسير القرطبي ١١/٢١٩..
٤٨ وقد رد شيخ الإسلام ابن تيمية هذا الخبر، وبين بطلانه في مجموع فتاويه ١٥/٢٥٣. وقال عنه ابن هشام: (وهذا خبر باطل، لا يصح من وجوه. أحدها: أن الصحابة - رضي الله عنهم – كانوا يتسارعون إلى إنكار أدنى المنكرات، فكيف يقرون اللحن في القرآن مع إنهم لا كلفة عليهم في إزالته. والثاني: أن العرب كانت تستقبح اللحن غاية الاستقباح في الكلام، فكيف لا يستقبحون بقاءه في المصحف؟ والثالث: أن الاحتجاج بأن العرب ستقيمه بألسنتها غير مستقيم، لأن المصحف الكريم يقف عليه العربي والعجمي... إلخ). انظر: شرح شذرات الذهب: ٥٠..
٤٩ ز: عمل..
٥٠ ز: يفعل..
٥١ في النسختين يغلبكم، ولعل الصواب ما أثبتناه لمناسبة التثنية في الآية..
٥٢ انظر: معاني الأخفش ٢/٤٠٨..
٥٣ طه: آية ٦..
٥٤ ز: يرى مثلكم..
٥٥ ز: وهو..
٥٦ انظر: جامع البيان ١٦/١٨٢ وزاد المسير ٥/٣٠٠..
٥٧ انظر: جامع البيان ١٦/١٨٢ وزاد المسير ٥/٣٠٠ وابن كثير ٣/١٥٧ والدر المنثور ٤/٣٠٣..
٥٨ انظر: جامع البيان ١٦/١٨٢ وابن كثير ٣/١٥٧..
٥٩ ز: يذهب (تحريف)..
٦٠ غافر: آية ٢٦..
٦١ ز: فهو..
٦٢ القول لابن زيد في جامع البيان ١٦/١٨٣ والدر المنثور ٤/٣٠٣..
٦٣ أن سقطت من ز..
٦٤ انظر: جامع البيان ١٦/١٨٣..
٦٥ ز: فيكون..
٦٦ ز: مثل قوله..
٦٧ يوسف: آية ٨٢..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى