الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري

عن الكتاب
وقوله ﴿مَا فِى يَمِينِكَ﴾ ولم يقل عصاك : جائز أن يكون تصغيراً لها، أي : لا تبال بكثرة حبالهم وعصيهم، وألق العويد الفرد الصغير الجرم الذي في يمينك، فإنه بقدرة الله يتلقفها على وحدته وكثرتها، وصغره وعظمها، وجائز أن يكون تعظيماً لها أي : لا تحتفل بهذه الأجرام الكبيرة الكثيرة، فإن في يمينك شيئاً أعظم منها كلها، وهذه على كثرتها أقل شيء وأنزره عنده، فألقه يتلقفها بإذن الله ويمحقها. وقرىء ﴿تَلْقَفْ﴾ بالرفع على الاستئناف أو على الحال، أي : ألقها متلقفة وقرىء «تلقف » بالتخفيف. ﴿صَنَعُواْ﴾ ههنا بمعنى زوّروا وافتعلوا كقوله تعالى :﴿تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ [الأعراف: ١١٧] قرىء ﴿كَيْدُ ساحِرٍ﴾ بالرفع والنصب. فمن رفع فعلى أنّ ( ما ) موصولة. ومن نصب فعلى أنها كافة. وقرىء :«كيد سحر » بمعنى : ذي سحر، أو ذوي سحر. أو هم لتوغلهم في سحرهم كأنهم السحر بعينه وبذاته. أو بين الكيد، لأنه يكون سحراً وغير سحر، كما تبين المائة بدرهم. ونحوه : علم فقه، وعلم نحو.
فإن قلت : لم وحد ساحر ولم يجمع ؟ قلت : لأنّ القصد في هذا الكلام إلى معنى الجنسية، لا إلى معنى العدد، فلو جمع، لخيل أنّ المقصود هو العدد. ألا ترى إلى قوله :﴿وَلاَ يُفْلِحُ الساحر﴾ أي هذا الجنس.
فإن قلت : فلم نكر أولاً وعرف ثانياً ؟ قلت : إنما نكر من أجل تنكير المضاف، لا من أجل تنكيره في نفسه كقول العَجَّاج :
في سَعْي دُنْيَا طَالَمَا قَدْ مَدَّتْ ***
وفي حديث عمر رضي الله عنه : لا في أمر دنيا ولا في أمر آخرة المراد تنكير الأمر، كأنه قيل : إن ما صنعوا كيد سحري. وفي سعي دنيوي. وأمر دنيوي وأخروي ﴿حَيْثُ أتى﴾ كقولهم : حيث سير، وأية سلك، وأينما كان.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى