تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
الآية ٧٨ وقوله تعالى :﴿وضرب لنا مثلا ونسي خلقه﴾ لما ذكر من ضرب المثل له ﴿قال من يحي العظام وهي رميم﴾ وقوله تعالى :﴿ونسي خلقه﴾ [ فيه وجهان :
أحدهما ](١) : أي غفل عن القدرة في خلق نفسه، ما لو نظر، وتفكر، لعرف أنه قادر على الإعادة.
والثاني(٢) : غفل عن الحكمة في ابتداء خلقه نفسه. ثم يخرّج هذا على وجوه :
أحدها : أنه نظر، وتفكّر في خلق(٣) نفسه أنه خُلق من نطفة، ثم حولت النطفة علقة، وحولت العلقة مضغة، وحولت المضغة خلقا وإنسانا تاما متقنا، ثم صُيّر بحيث يأخذ في النقصان بعد ما كان تاما.
ثم من فعل هذا في الشاهد أن يُحكم الشيء، ويتقنه، ويتمّمه، ثم يهدمه بلا عاقبة، يقصدها(٤)، كان غير حكيم.
فعلى ذلك كان ما أحكم الله من الخلق، وأتقنه، وتمّمه، ثم جعل ينقص منه، ويوهنه. فلو لم يكن أعاده(٥)، وخلقه ثانيا، كان خارجا عن الحكمة، ولو نظر في ابتداء خلق نفسه لعرف أن الله يعيده، وينشئه ثانيا.
والثاني : لو نظر، وتفكر في ابتداء خلق نفسه أنه كيف دبّره في تلك الظلمات الثلاث، وقدّره على أحسن تقدير في ذلك، فلو نظر، وتفكر أن من قدر على تدبيره وتقديره في الظلمات الثلاث على ما دبّره، وقدّره، قادر على إعادته، وهو كقوله :﴿وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه﴾ [الروم: ٢٧] أي هو أهون في عقولكم وتقديركم، أهون من ابتدائه.
فإذا قدر على الابتداء فهو على الإعادة أقدر وأملك، إن ذلك في عقولكم أهون وأيسر، وإلا ليس في وصف الله تعالى أن شيئا أهون عليه من شيء، بل الأشياء كلها تحت قوله :﴿كن فيكون﴾ [ البقرة : ١١٧ و. . ] من غير أن كان منه كاف أو نون أو شيء من ذلك. لكنه عبّر به لأنه أخف الحروف(٦) على الألسن وأيسرها(٧)، وأقصر كلام، وأوجزه، يؤدى به المعنى، ويفهم منه المراد.
والثالث : أنه خلق هذه الأشياء والجواهر كلها سوى البشر للبشر ولمنافعهم. فلو لم يكن بعث ولا نشأة أخرى كان خلق هذه الأشياء لهم عبثا باطلا.
ويكون قوله :﴿ونسي خلقه﴾ أي غفل عن بدء خلقه، إذ بدء خلقه إما أن كان من ماء [ وإما من ](٨) تراب. فعلى ذلك إذا أفناه يصير ماء أو ترابا، فيعيده منه على ما أنشأه منه بدءا.
ثم في قوله تعالى :﴿وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم﴾.
١ في الأصل وم: وجوها: أحدها..
٢ في الأصل وم: والثالث..
٣ في الأصل وم: حق..
٤ في الأصل وم: يقصد به..
٥ في الأصل وم: إعادته..
٦ في الأصل وم: حروفه..
٧ في الأصل وم: وأيسره..
٨ في الأصل وم: أو..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى