فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان

عن الكتاب
﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا﴾ هذا رجوع منه سبحانه إلى تقرير ماتقدم من دفع استبعادهم فنبه سبحانه على وحدانيته، ودل على قدرته على إحياء الموات بما يشاهدونه من إخراج النار المحرقة من العود الندي الرطب.
وذلك أن الشجر المعروف بالمرخ والشجر المعروف بالعفار إذا قطع منهما عودان مثل السواكين وضرب أحدهما على الآخر انقدحت منهما النار وهما أخضران، قيل المرخ هو الذكر والعفار هو الأنثى ويسمى الأول الزند والثاني الزندة، تقول العرب : في كل شجر نار، واستمجد المرخ والعفار، أي استكثر منهما وذلك أن هاتين الشجرتين من أكثر الشجر نارا، وقال الحكماء في كل شجر نار إلا العناب لمصلحة الدق للثياب، ولذلك تتخذ منه مطارق القصارين.
وبالجملة فمن بدائع خلقه انقداح النار من الشجر الأخضر مع مضادة النار الماء وانطفائها به، فمن قدر على جمع الماء والنار في الشجر قدر على المعاقبة بين الموت والحياة في البشر، وإجراء أحد الضدين على الآخر بالتعقيب أسهل في العقل من الجمع معا بلا ترتيب، وقال الأخضر، ولم يقل الخضر اعتبارا باللفظ، وقرئ الخضر اعتبارا بالمعنى.
وقد تقرر : أنه يجوز تذكير اسم الجنس وتأنيثه، كما في قوله :﴿نخل منقعر﴾ وقوله :﴿نخل خاوية﴾ فبنو تميم ونجد يذكرونه، وأهل الحجاز يؤنثونه إلا نادرا، والموصول بدل من الموصول الأول.
﴿فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ﴾ أي تقدحون منه النار وتوقدونها من ذلك الشجر الأخضر

تفسير هذه الآية من كتب أخرى