فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
وثم في قوله :﴿ثُمَّ نُنَجّى رُسُلَنَا﴾ للعطف على مقدّر يدلّ عليه ما قبله، كأنه قيل أهلكنا الأمم ثم نجينا رسلنا المرسلين إليهم. وقرأ يعقوب ثم «ننجي » مخففاً. وقرأ كذلك أيضاً في ﴿حَقّا عَلَيْنَا نُنجِ المؤمنين﴾. وروي كذلك عن الكسائي وحفص في الثانية. وقرأ الباقون بالتشديد، وهما لغتان فصيحتان : أنجى ينجي إنجاء، ونجى ينجي تنجية بمعنى واحد ﴿والذين آمَنُواْ﴾ معطوف على رسلنا : أي : نجيناهم ونجينا الذين آمنوا، والتعبير بلفظ الفعل المستقبل لاستحضار صورة الحال الماضية تهويلاً لأمرها ﴿كَذَلِكَ حَقّا عَلَيْنَا﴾ أي : حق ذلك علينا حقاً، أو إنجاء مثل ذلك الإنجاء حقاً ﴿نُنجِ المؤمنين﴾ من عذابنا للكفار، والمراد بالمؤمنين : الجنس، فيدخل في ذلك الرسل وأتباعهم، أو يكون خاصاً بالمؤمنين، وهم أتباع الرسل ؛ لأن الرسل داخلون في ذلك بالأولى.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج أبو الشيخ، عن السديّ في قوله :﴿وَمَا تُغْنِي الآيات والنذر عَن قَوْمٍ﴾ يقول : عند قوم ﴿لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ نسخت قوله :﴿حِكْمَة بالغة فَمَا تُغْنِي النذر﴾. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله :﴿فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الذين خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ﴾ قال : وقائع الله في الذين خلوا من قبلهم، قوم نوح، وعاد، وثمود.
وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن الربيع في الآية قال : خوّفهم عذابه ونقمته وعقوبته، ثم أخبرهم أنه إذا وقع من ذلك أمر نجى الله رسله والذين آمنوا، فقال :﴿ثُمَّ نُنَجّي رُسُلَنَا والذين آمَنُواْ﴾ الآية. وأخرج أبو الشيخ، عن السديّ، في قوله :﴿وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ﴾ يقول : بعافية. وأخرج البيهقي في الشعب، عن عامر بن قيس، قال : ثلاث آيات في كتاب الله اكتفيت بهنّ عن جميع الخلائق : أوّلهنّ :﴿وَإِن يَمْسَسْكَ الله بِضُرّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَادّ لِفَضْلِهِ﴾، والثانية :﴿مَّا يَفْتَحِ الله لِلنَّاسِ مِن رَحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ﴾، والثالثة :﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأرض إِلاَّ عَلَى الله رِزْقُهَا﴾. وأخرج أبو الشيخ، عن الحسن، نحوه. وأخرج أبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله :﴿فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ قال : هو الحق المذكور في قوله :﴿قَدْ جَاءكُمُ الحق مِن رَّبّكُمْ﴾. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، في قوله :﴿واصبر حتى يَحْكُمَ الله﴾ قال : هذا منسوخ، أمره بجهادهم والغلظة عليهم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى