اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿قُلْ يا أيها الناس إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي﴾ الآية.
لمَّا بالغ في ذكر الدليل أمر رسوله ﷺ بإظهار دينه، وإظهار المباينة عن المشركين، لكي تزول الشكوك والشبهات في أمره.
فإن قيل : كيف قال " في شكٍّ " وهم كافرون يعتقدون بطلان ما جاء به ؟.
قيل : كان فيهم شاكون، فهم المرادُ بالآية، أو أنَّهم لمَّا رَأوا الآياتِ اضطربوا، وشكُّوا في أمرهم وأمر النبي - صلوات الله البر الرحيم وسلامه عليه -.
قوله :" فَلاَ أَعْبُدُ " جواب الشَّرط، والفعلُ خبر ابتداء مضمر تقديره : فأنَا لا أعبدُ، ولو وقع المضارعُ منفياً ب " لا " دون فاء لجزمَ، ولكنَّه مع الفاءِ يرفع كما تقدَّم ذكره، وكذا لوْ لمْ يُنْفَ ب " لا " كقوله تعالى :﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ الله مِنْهُ﴾ [المائدة: ٩٥]، أي : فهو ينتقُم.
ثم قال :﴿ولكن أَعْبُدُ الله الذي يَتَوَفَّاكُمْ﴾ يميتكم، ويقبض أرواحكم.
فإن قيل : ما الحكمةُ في وصف المعبود ههنا بقوله :﴿الذي يَتَوَفَّاكُمْ﴾ ؟.
فالجواب : من وجوه :
الأول : أنَّ المعنى أني أعبدُ الله الذي خلقكم أولاً، ثم يتوفَّاكم ثانياً ثم يعيدكم ثالثاً، فاكتفى بذكر التوفي لكونه مُنَبِّهاً على البواقي.
الثاني : أنَّ الموت أشدُّ الأشياءِ مهابة، فخص هذا الوصف بالذكر ههنا، ليكون أقوى في الزَّجر والرَّدع.
الثالث : أنَّهم لمَّا استعجلوا نزول العذاب قال تعالى :﴿فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِهِمْ قُلْ فانتظروا إِنَّي مَعَكُمْ مِّنَ المنتظرين ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا والذين آمَنُواْ﴾ [يونس: ١٠٢-١٠٣] وهذا يدلُّ على أنَّهُ تعالى يهلك أولئك الكفار، ويبقي المؤمنين ويقوي دولتهم، فلمَّا كان قريب العهد بذكر هذا الكلام لا جرم قال ههنا :﴿ولكن أَعْبُدُ الله الذي يَتَوَفَّاكُمْ﴾ وهو إشارةٌ إلى ما قرَّره وبيَّنهُ في تلك الآية كأنه يقول : أعبد الله الذي وعدني بإهلاككم، وإبقائي بعدكم.
قوله :﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المسلمين﴾ [يونس: ٧٢]، قال الزمخشري : أصله بأن أكون، فحذف الجارُّ، وهذا الحذف يحتمل أن يكون من الحذف المطرد الذي هو حذفُ الحروفِ الجارَّة مع أن وأنَّ، وأنْ يكون من الحذف غير المطَّرد ؛ وهو كقوله :[ البسيط ]
﴿فاصدع بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤] يعني : بغيرِ المُطَّرد أنَّ حذف حرف الجر مسموعٌ في أفعالٍ لا يجوزُ القياسُ عليها، وهي : أمَرَ، واسْتَغْفَرَ، كما تقدم [ الأعراف ١٥٥ ]، وأشار بقوله :" أمَرْتُكَ " إلى البيت المشهور :[ البسيط ]
وقد قاس ذلك بعضُ النَّحويِّين، ولكن يُشترط أن يتعيَّن ذلك الحرف، ويتعيَّن موضعه أيضاً، وهو رأي علي بن علي بن سليمان فيُجيز " بريتُ القلمَ السكين " بخلاف " صَكَكْتُ الحَجَرَ بالخشبةِ ".
قوله :" وأنْ أقِمْ " يجوز أن يكون على إضمار فعلٍ أي : وأوحي إليَّ أن أقم، ثم لك في " أنْ " وجهان أحدهما : أن تكون تفسيريةً لتلك الجملةِ المقدَّرة، كذا قاله أبو حيان، وفيه نظرٌ، إذا المفسَّرُ لا يجوز حذفه، وقد ردَّ هو بذلك في موضع غير هذا، والثاني : أن تكون المصدرية، فتكون هي وما في خبرها في محلِّ رفع بذلك الفعل المقدر، ويحتمل أن تكون " أنْ " مصدرية فقط، وهي على هذا معمولةٌ لقوله : أمِرْتُ مراعى فيها معنى الكلام ؛ لأنَّ قوله " أنْ أكُونَ " كون من أكوانِ المؤمنين، ووصلْ " أنْ " بصيغة الأمْر جائزٌ، كما تقَدَّم تحريره.
وقال الزمخشريُّ(٣) : فإن قلت : عطف قوله :" وأنْ أقِمْ " على " أنْ أكُون " فيه إشكالٌ ؛ لأنَّ أنْ لا تخلو : إمَّا أن تكون التي للعبارة، أو التي تكونُ مع الفعلِ في تأويل المصدر، فلا يصحُّ أن تكون التي للعبارة، وإن كان الأمر ممَّا يتضمَّنُ معنى القول ؛ لأنَّ عطفها على الموصولة ينافي ذلك، والقولُ بكونها موصولة مثل الأولى لا يساعد عليه لفظ الأمْرِ وهو " أقِمْ " ؛ لأنَّ الصِّلة حقُّها أن تكون جملة تحتمل الصِّدق والكذب.
قلت : قد سوَّغَ سيبويه أن توصلَ " أنْ " بالأمْرِ والنَّهْيِ، وشبَّه ذلك بقولهم :" أنت الذي تفعل " على الخطاب ؛ لأنَّ الغرضَ وصلها بما تكونُ معه في تأويلِ المصدرِ، والأمْرُ والنَّهْيُ دالاَّنِ على المصدر دلالة غيرهما من الأفعال.
قال شهاب الدين : وقد تقدَّم الإشكالُ في ذلك وهو أنَّه إذا قُدِّرت بالمصدر فاتت الدَّلالةُ على الأمْرِ والنَّهْي.
ورجَّحَ أبُو حيَّان كونها مصدرية على إضمار فعل كما تقدَّم تقريره قال :" ليزولَ قلقُ العطفِ لوجودِ الكافِ، إذْ لوْ كانَ " وأنْ أقِمْ " عطفا على " أنْ أكُونَ " لكان التَّركيبُ " وَجْهِي " بياء المتكلم، ومراعاةُ المعنى فيه ضعفٌ، وإضمارُ الفعل أكثر ".
قال ابنُ الخطيبِ(٤) : الواو في قوله :" وأنْ أقِمْ وجْهكَ " حرف عطف، وفي المعطوف عليه وجهان :
الأول : أنَّ قوله : وأمِرْتُ أنْ أكُون قائم مقام قوله : وقيل لي كن من المؤمنين ثم عطف عليه " وأنْ أقِمْ وجْهَكَ ".
لمَّا بالغ في ذكر الدليل أمر رسوله ﷺ بإظهار دينه، وإظهار المباينة عن المشركين، لكي تزول الشكوك والشبهات في أمره.
فإن قيل : كيف قال " في شكٍّ " وهم كافرون يعتقدون بطلان ما جاء به ؟.
قيل : كان فيهم شاكون، فهم المرادُ بالآية، أو أنَّهم لمَّا رَأوا الآياتِ اضطربوا، وشكُّوا في أمرهم وأمر النبي - صلوات الله البر الرحيم وسلامه عليه -.
قوله :" فَلاَ أَعْبُدُ " جواب الشَّرط، والفعلُ خبر ابتداء مضمر تقديره : فأنَا لا أعبدُ، ولو وقع المضارعُ منفياً ب " لا " دون فاء لجزمَ، ولكنَّه مع الفاءِ يرفع كما تقدَّم ذكره، وكذا لوْ لمْ يُنْفَ ب " لا " كقوله تعالى :﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ الله مِنْهُ﴾ [المائدة: ٩٥]، أي : فهو ينتقُم.
ثم قال :﴿ولكن أَعْبُدُ الله الذي يَتَوَفَّاكُمْ﴾ يميتكم، ويقبض أرواحكم.
فإن قيل : ما الحكمةُ في وصف المعبود ههنا بقوله :﴿الذي يَتَوَفَّاكُمْ﴾ ؟.
فالجواب : من وجوه :
الأول : أنَّ المعنى أني أعبدُ الله الذي خلقكم أولاً، ثم يتوفَّاكم ثانياً ثم يعيدكم ثالثاً، فاكتفى بذكر التوفي لكونه مُنَبِّهاً على البواقي.
الثاني : أنَّ الموت أشدُّ الأشياءِ مهابة، فخص هذا الوصف بالذكر ههنا، ليكون أقوى في الزَّجر والرَّدع.
الثالث : أنَّهم لمَّا استعجلوا نزول العذاب قال تعالى :﴿فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِهِمْ قُلْ فانتظروا إِنَّي مَعَكُمْ مِّنَ المنتظرين ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا والذين آمَنُواْ﴾ [يونس: ١٠٢-١٠٣] وهذا يدلُّ على أنَّهُ تعالى يهلك أولئك الكفار، ويبقي المؤمنين ويقوي دولتهم، فلمَّا كان قريب العهد بذكر هذا الكلام لا جرم قال ههنا :﴿ولكن أَعْبُدُ الله الذي يَتَوَفَّاكُمْ﴾ وهو إشارةٌ إلى ما قرَّره وبيَّنهُ في تلك الآية كأنه يقول : أعبد الله الذي وعدني بإهلاككم، وإبقائي بعدكم.
قوله :﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المسلمين﴾ [يونس: ٧٢]، قال الزمخشري : أصله بأن أكون، فحذف الجارُّ، وهذا الحذف يحتمل أن يكون من الحذف المطرد الذي هو حذفُ الحروفِ الجارَّة مع أن وأنَّ، وأنْ يكون من الحذف غير المطَّرد ؛ وهو كقوله :[ البسيط ]
| أَمَرْتُكَ الخَيْرَ. . . | . . . (١) |
| أمَرْتُكَ الخَيْرَ فافْعَلْ مَا أمِرْتَ بِهِ | . . . (٢) |
قوله :" وأنْ أقِمْ " يجوز أن يكون على إضمار فعلٍ أي : وأوحي إليَّ أن أقم، ثم لك في " أنْ " وجهان أحدهما : أن تكون تفسيريةً لتلك الجملةِ المقدَّرة، كذا قاله أبو حيان، وفيه نظرٌ، إذا المفسَّرُ لا يجوز حذفه، وقد ردَّ هو بذلك في موضع غير هذا، والثاني : أن تكون المصدرية، فتكون هي وما في خبرها في محلِّ رفع بذلك الفعل المقدر، ويحتمل أن تكون " أنْ " مصدرية فقط، وهي على هذا معمولةٌ لقوله : أمِرْتُ مراعى فيها معنى الكلام ؛ لأنَّ قوله " أنْ أكُونَ " كون من أكوانِ المؤمنين، ووصلْ " أنْ " بصيغة الأمْر جائزٌ، كما تقَدَّم تحريره.
وقال الزمخشريُّ(٣) : فإن قلت : عطف قوله :" وأنْ أقِمْ " على " أنْ أكُون " فيه إشكالٌ ؛ لأنَّ أنْ لا تخلو : إمَّا أن تكون التي للعبارة، أو التي تكونُ مع الفعلِ في تأويل المصدر، فلا يصحُّ أن تكون التي للعبارة، وإن كان الأمر ممَّا يتضمَّنُ معنى القول ؛ لأنَّ عطفها على الموصولة ينافي ذلك، والقولُ بكونها موصولة مثل الأولى لا يساعد عليه لفظ الأمْرِ وهو " أقِمْ " ؛ لأنَّ الصِّلة حقُّها أن تكون جملة تحتمل الصِّدق والكذب.
قلت : قد سوَّغَ سيبويه أن توصلَ " أنْ " بالأمْرِ والنَّهْيِ، وشبَّه ذلك بقولهم :" أنت الذي تفعل " على الخطاب ؛ لأنَّ الغرضَ وصلها بما تكونُ معه في تأويلِ المصدرِ، والأمْرُ والنَّهْيُ دالاَّنِ على المصدر دلالة غيرهما من الأفعال.
قال شهاب الدين : وقد تقدَّم الإشكالُ في ذلك وهو أنَّه إذا قُدِّرت بالمصدر فاتت الدَّلالةُ على الأمْرِ والنَّهْي.
ورجَّحَ أبُو حيَّان كونها مصدرية على إضمار فعل كما تقدَّم تقريره قال :" ليزولَ قلقُ العطفِ لوجودِ الكافِ، إذْ لوْ كانَ " وأنْ أقِمْ " عطفا على " أنْ أكُونَ " لكان التَّركيبُ " وَجْهِي " بياء المتكلم، ومراعاةُ المعنى فيه ضعفٌ، وإضمارُ الفعل أكثر ".
قال ابنُ الخطيبِ(٤) : الواو في قوله :" وأنْ أقِمْ وجْهكَ " حرف عطف، وفي المعطوف عليه وجهان :
الأول : أنَّ قوله : وأمِرْتُ أنْ أكُون قائم مقام قوله : وقيل لي كن من المؤمنين ثم عطف عليه " وأنْ أقِمْ وجْهَكَ ".
١ تقدم..
٢ تقدم..
٣ ينظر: الكشاف ٢/٣٧٤..
٤ ينظر: تفسير الفخر الرازي ١٧/١٣٨..
٢ تقدم..
٣ ينظر: الكشاف ٢/٣٧٤..
٤ ينظر: تفسير الفخر الرازي ١٧/١٣٨..