مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي
عن الكتاب
﴿وَإِذَا أَذَقْنَا الناس﴾ أهل مكة ﴿رَحْمَةً﴾ خصباً وسعة ﴿مّن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُمْ﴾ يعني القحط والجوع ﴿إذا لهم مَّكْرٌ في ءاياتنا﴾ أي مكروا بآياتنا بدفعها وإنكارها. رُوي أنه تعالى سلط القحط سبع سنين على أهل مكة حتى كادوا يهلكون ثم رحمهم بالحياة، فلما رحمهم طفقوا يطعنون في آيات الله ويعادون رسول الله ﷺ ويكيدونه ف ﴿إذا﴾ الأولى للشرط، والثانية جوابها وهي للمفاجأة وهو كقوله ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦] أي وإن تصبهم سيئة قنطوا، وإذا أذقنا الناس رحمة مكروا. والمكر إخفاء الكيد وطيه من الجارية الممكورة المطوية الخلق، ومعنى مستهم خالطتهم حتى أحسوا بسوء أثرها فيهم. وإنما قال :﴿قُلِ الله أَسْرَعُ مَكْرًا﴾ ولم يصفهم بسرعة المكر لأن كلمة المفاجأة دلت على ذلك كأنه قال : وإذا رحمناهم من بعد ضراء فاجأوا وقوع المكر منهم وسارعوا إليه قبل أن يغسلوا رؤوسهم من مس الضراء ﴿إِنَّ رُسُلَنَا﴾ يعني الحفظة ﴿يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴾ إعلام بأن ما تظنونه خافياً لا يخفى على الله وهو منتقم منكم. وبالياء : سهل.