تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
وقوله تعالى :( وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا ) قال أهل التأويل ( أذقنا الناس ) يعني يأهل مكة إذا أصابهم سعة وفرح ونجاة مما يخافون عادوا إلى ما كانوا من التكذيب وعبادة الأصنام. ولكن أهل مكة وغيرهم كانوا[ في الأصل وم : أنهم ] إذا أيسوا ما يعبدون من الأصنام والأوثان فزعوا إلى الله، يخلصون[ في الأصل وم : ويخلصون ] له الدين كقوله :( فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين ) الآية[العنكبوت: ٦٥] وقوله :( وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما ) الآية[يونس: ١٢] وقوله :( وإذا مس الناس ضرا دعوا ربهم منيبين إليه )الآية[الروم: ٣٣] وغير ذلك من الآيات مما يكثر عددها، كانت عادتهم الفزع إلى الله عند إصابتهم الشدائد والبلايا لعلمهم أن الأصنام التي كانوا يعبدونها لا تدفع عنهم ذلك.
وقوله تعالى :( إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا ) المكر في الآيات تكذيبها وردها. فيشبه أن تكون الآية ههنا [ في محمد كما كان ][ في الأصل وم : محمدا كما هو ] من أول أمره إلى آخره آية، فمكروا به لما هموا بقتله غير مرة بقوله :( وإذ يمكر بك الذين كفروا )الآية[الأنفال: ٣٠].
ويحتمل سائر الآيات والحجج ؛ مكروا فيها، أي كذبوها، وردوها ( قل الله أسرع مكرا ) المكر الأخذ من غير أن يعمل هو به. يقول :( الله أسرع ) أخذا، يأخذكم[ من م : في الأصل : يأخذهم ]، وأنتم لا تعلمون به، ولا تقدرون أن تأخذوا رسول الله، وتمكروا به إلا وهو يعلم بذلك، وهو أسرع أخذا منكم ( إن رسلنا يكتبون ما تمكرون ) فهم الحفظة.
ويحتمل قوله :( قل الله أسرع مكرا ) أي أسرع [ جزاء ومكرا ][ في الأصل وم : الجزاء والمكر ] منكم وأسرع أخذا من حيث لا تعلمون أنتم. وقال بعض أهل اللغة : المكر بالآيات هو الرد والجحود لها، وقال بعضهم : استهزاء بها، فهو واحد، والله أعلم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى