تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
وقوله تعالى :( وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ ) قال بعضهم : هو صلة قوله :( قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ )[يونس: ١٥] فيقول :( وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ ) كقوله ( قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ )[يونس: ١٥].
وقال بعضهم : إن كفار قريش قالوا : إن محمدا افترى هذا القرآن من عند نفسه، وتقوله من نفسه، فقال ( وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ ) أن يضاف إلى غيره، أو يختلق ( وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ) أي يصدق هذا القرآن الكتب التي كانت من قبل. ولو كان محمد هو الذي افتراه، واختلقه من عند نفسه، لكان خرج هو وسائر الكتب المتقدمة مختلفة ؛ إذ لم يعرف محمد سائر الكتب المتقدمة ؛ إذ كانت بغير لسانه، ولم يكن له اختلاف إلى من يعرفها ليتعلم. ثم خرج هو، أعني القرآن، مصدقا وموافقا للكتب. دل أنه من عند الله جاء كقوله :( وما كنت تتلوا من قبله من كتب ولا تخطه بيمينك ) الآية[العنكبوت: ٤٨].
وقوله تعالى :( وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ ) [ يخرج على وجهين :
أحدهما : ما كان هذا القرآن بالذي يحتمل الافتراء من دون الله ][ من م، ساقطة من الأصل ] لخروجه عن طوق البشر ووسعهم ؛ فذلك بالذي يحيل كونه مفترى بجوهره.
والثاني : لما أودع فيه الحكمة والصدق يدل على كونه من عند الله ؛ إذ كلام غيره يحتمل السفه والكذب، ويحتمل الاختلاق.
[ وقوله تعالى ][ في الأصل وم ] :( وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ ) قيل : فيه بيان الكتب التي نزلت قبله وتمامها[ في الأصل وم : وتمامه ]. إن هذا، وإن كان في اللفظ مختلف فهو في الحكمة والصدق ومبين موفق للأول. وقيل :( وتفصيل الكتاب ) أي تفصيل ما كتب لهم، وما عليهم. وأن يقال : إلى الله تفصيل الكتاب ليس إلى غيره ( لا ريب فيه ) أنه من عند رب العالمين، أو يقال : مفصَّل في اللوح المحفوظ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى