كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني

عن الكتاب
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ﴾ ؛ معناهُ : بل يقولون : إنَّ مُحَمَّداً اختلقَ هذا القرآنَ من تِلْقَاءِ نفسهِ! قل يا مُحَمَّدُ : إن كان هو اخْتَلَقَهُ فَأْتُوا بسورةٍ من مثل " سُوَر " القرآنِ، فإنَّما قال ذلكَ ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ نَشَأ بين أظهُرِهم وتعلَّمَ اللغةَ منهم، فإذا لم يَأْتُوا مع حرصِهم على تكذيبهِ وإبطالِ أمره، دلَّ أنَّ مِثْلَهُ غيرُ مقدورٍ للبشرِ. ومعنى الآية : فلو قَدَرَ هو على افتراءِ القرآن لقَدرَتُم أنتم على الإتيانِ بسُورةِ مثلهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ ؛ أي استَعِينُوا على الإتيان بسورةٍ مثل القرآنِ بكلِّ مَن قدرتُم عليه، ﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ ؛ أن مُحَمَّداً اخْتَلَقَهُ من تلقاءِ نفسه، فَإنَّ الْعَادَةَ لَمْ تَجْرِ بأَنْ يَسْتَبدَّ إنْسَانٌ بالافْتِرَاءِ عَلَى كَلاَمٍ لاَ يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَأْتِيَ بِمثْلِهِ.
فلمَّا قرأ عليهم النبيُّ ﷺ هذه الآيةَ فلم يُجيبوا، فَأنزلَ الله :
قولَهُ تعالى :﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ﴾ ؛ أي بل كذبوا بما لم يُدرِكوا من كيفيَّة ترتيبهِ ونَظْمِهِ، وما فيه من الجنَّة والنار والبعثِ والقيامة والثواب والعقاب، ﴿وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ ؛ أي ولَم يَأْتِهِمْ بعدُ حقيقةِ ما وُعِدُوا في الكتاب مما يَؤُولُ إليه أمرُهم من العقوبةِ والعذاب على التكذيب.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ ؛ أنبياءَهم من البعثِ، ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ ؛ يعني أنَّ عاقِبَتهم العذابُ والهلاك بتكذيبهم، كذلك يكون عاقبةُ هؤلاءِ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى