اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿أَمْ يَقُولُونَ افتراه﴾ الآية.
لمَّا أقام الدَّلائل على أنَّ هذا القرآن، لا يليقُ بحاله أن يكون مفترى، أعاد مرَّةً أخرى بلفظ الاستفهام، على سبيل الإنكار، إبطال هذا القول، فقال :" أم يقولون افتراه "، وقد تقدَّم تقرير هذه الحجَّة في البقرة، عند قوله :﴿وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا على عَبْدِنَا﴾ [البقرة: ٢٣].
قوله :" أم يقُولُونَ " : في " أمْ " هذه وجهان :
أحدهما : أنَّها منقطعةٌ، فتقدَّر ب " بَلْ "، والهمزة عند سيبويه، وأتباعه، والتقدير : بل أتقُولُون، انتقل عن الكلامِ الأول، وأخذ في إنكار قولٍ آخر.
واثاني : أنَّها متصلةٌ، ولا بُدَّ حينئذٍ من حذف جملةٍ ؛ ليصحَّ التعادلُ، والتقدير : أيقرون به، أم يقولون افتراهُ، وقال بعضهم :" أمْ " هذه بمنزلة الهمزة فقط، وعبَّر بعضهم عن ذلك، فقال :" الميمُ زائدة على الهمزة " وهذا قولٌ ساقطٌ ؛ إذ زيادة الميم قليلةٌ جدّاً، ولا سيَّما هنا، وزعم أبو عبيدة :" أنها بمعنى : الواو، والتقدير : ويقولون افتراه ".
قوله :" قُلْ فَأْتُواْ " : جواب شرطٍ مقدَّر، قال الزمخشري :" قُلْ : إنْ كان الأمرُ كما تزعمون، فأتُوا أنتم على وجْهِ الافتراءِ بسورةٍ مثله، فأنتم مثلي في العربيَّة، والفصاحة، والأبلغيَّة ".
وقرأ(١) عمرو بن فائد :" بسُورَةِ مثلِهِ " بإضافة " سُورة " إلى " مِثلِهِ " على حذف الموصول، وإقامة الصِّفة مقامه، والتقدير : بسورة كتاب مثله، أو بسُورة كلام مثله، ويجُوز أن يكون التقديرُ : فأتُوا بسورةِ بشر مثله، فالضَّمير يجوز أنْ يعُود في هذه القراءةِ على ا لقرآنِ، وأن يعود على النبي ﷺ، وأمَّا في قراءة العامَّة ؛ فالضمير للقرآن فقط.
فإن قيل : لِمَ قال في البقرة :﴿فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣]، وقال هنا :" فأتُوا بسُورةٍ مثلهِ " ؟.
فالجواب : أنَّ محمداً - عليه الصلاة والسلام - كان أمِّيّاً، لم يتلمذْ لأحدٍ، ولم يُطالع كتاباً فقال في سورة البقرة :" مِن مثله " أي : فلْيَأتِ إنسان يساوي محمَّدا في هذه الصِّفات، وعدم الاشتعال بالعُلُوم، بسورة تُسَاوي هذه السُّورة، وحيث لا يقدرُون على ذلك ؛ فظهور مثل هذه السُّورة من إنسان مثل محمَّد - عليه الصلاة والسلام -، في عدم التتلمذ والتَّعلم، يكون معجزاً.
وهُنا بيَّن أن السُّورة في نفسها مُعجزةٌ في نفسها ؛ فإنَّ الخلق وإن تتلمذُوا وتعلَّمُوا ؛ فإنَّه لا يمكنهم الإتيان بمعارضة سُورة واحدة من هذه السور ؛ فلذلك قال - تعالى - ههنا :" فأتُوا بسُورةٍ مثلِهِ ".

فصل


تمسَّك المعتزلة بهذه الآية : على أنَّ القرآن مخلوقٌ ؛ قالوا : إنَّه - عليه الصلاة والسلام - تحدَّى العرب بالقرآن ؛ والمراد بالتَّحدِّي : أنَّه يطلب الإتيان بمثله منهم ؛ فإذا عجزوا عنه، ظهر كونه حجَّة من عند الله - تعالى -، دالَّة على صدقه، وهذا إنَّما يمكن، إذا كان الإتيان بمثله صحيح الوجود في الجملة، ولو كان القرآنُ قديماً ؛ لكان الإتيان بمثل القديم محالاً في نفس الأمر ؛ فوجب ألا يصحَّ التَّحدِّي به.
وأجيبُوا : بأنَّ القرآنَ اسمٌ يقال بالاشتراك على الصِّفة القديمة، القائمة بذات الله - تعالى -، وعلى هذه الحروف والأصوات، ولا نزاع في أنَّ هذه الكلمات المركَّبَة من هذه الحروف والأصوات، محدثة مخلوقة، والتَّحدي إنما وقع بها لا بالصِّفة القديمة.
ثم قال تعالى :﴿وادعوا مَنِ استطعتم﴾ : ممَّنْ تعبدُون ﴿من دُونِ اللهِ﴾ ليُعينُوكُم على ذلك، ﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ في أنَّ محمداً افتراه، والمراد منه : كيف يمكن الإتيان بهذه المعارضة، لو كانوا قادرين عليها وتقريره : أنَّ الجماعة إذا تعاونت، وتعاضدت، صارت تلك العقول الكثيرة، كالعقل الواحد، فإذا توجَّهُوا نحو شيءٍ واحدٍ، قدر مجموعهم على ما يعجز عنه كل واحد عند انفراده، فكأنَّه - تعالى - يقول : هَبْ أنَّ عقل الواحد، والاثنين منكم، لا يفي باستخراج معارضة القرآن، فاجتمعوا، وليعن بعضكم بعضاً في هذه المعارضة، فإذا عرفتُم عجزكم حالة الاجتماع، وحالة الانفراد عن هذه المعارضة، فحينئذٍ : يظهر أنَّ تعذر هذه المعارضة، إنما كان لأنَّ قدرة البشرِ عاجزةٌ عنها ؛ فحينئذٍ يظهر أنَّ ذلك فعل الله، لا فعل البشر.
فظهر بما تقرَّر : أنَّ مراتب تحدِّي رسول الله ﷺ بالقرآن ستٌّ :
أولها : أنَّهُ تحدَّاهُم بكلِّ القرآن، في قوله :﴿قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذا القرآن لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ [الإسراء: ٨٨].
وثانيها : أنَّه - عليه الصلاة والسلام - تحدَّاهم بعشر سورٍ، في قوله :﴿فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ [هود: ١٣].
وثالثها : أنَّه تحدَّاهم بسورة واحدة، في قوله :﴿فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ﴾ [يونس: ٣٨].
ورابعها : تحدَّاهم بحديث مثله، في قوله ﴿فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ﴾ [الطور: ٣٤].
وخامسها : أنَّ في تلك المراتب الأربع، كان يطلب منهم أن يأتي بالمعارضة رجُلٌ، يساوي رسول الله في عدم التتلمذ والتعليم، ثُمَّ في سورة يونس : طلب منهم معارضة سورة واحدة من أي إنسان، سواء تعلَّم العلوم، أو لم يتعلَّمها.
وسادساً : أنَّ في المراتب المتقدِّمة تحدَّى كل واحد من الخلق، وفي هذه المرتبة تحدَّى مجموعهم، وجوَّز أن يستعين البعضُ بالبعض في الإتيان بهذه المعارضة، كما قال :﴿وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين﴾ [يونس: ٣٨]، فهذا مجموع الدَّلائل التي ذكرها الله - تعالى - في إثبات أنَّ القرآن معجزٌ، ثُمَّ إنَّه - تعالى - ذكر السبب الذي لأجله كذَّبُوا القرآن.
١ قال أبو حاتم: أمر عبد الله الأسود أن يسأل عمر عن إضافة "سورة" أو تنوينها؛ فقال له عمر: كيف شئت.
ينظر: الكشاف ٢/٣٤٧، المحرر الوجيز ٣/١٢١، البحر المحيط ٥/١٥٩، الدر المصون ٤/٣٤..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى