اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
لمَّا حكى عن الكُفَّار تعجُّبهم من الوَحْي والبَعْثَة والرِّسالة، أزال ذلك التعجُّب بأنه لا يبعد أن يبعث خالق الخلْقِ إليْهِم رسولاً يُبشِّرهم على الأعمال الصَّالحة بالثَّواب، وعلى الأعمال الباطلة بالعقاب، وهذا الجوابُ إنَّما بإثبات أمرين آخرين :
أحدهما : إثبات أنَّ لهذا العالم إلهاً قادراً قاهراً، نافِذَ الحُكم بالأمْر والنَّهي والتَّكليف.
والثاني : إثبات الحَشْر والنَّشر والبعث والقيامة، حتى يحصل الثَّواب والعقاب اللذان أخبر الأنبياءُ - عليهم الصلاة والسلام - عن حصولهما، فلذلك ذكر ما يدلُّ على تحقيق هذين الأمرين.
فإمَّا إثبات الإله، فبقوله تعالى :﴿إِنَّ رَبَّكُمُ الله الذي خَلَقَ السماوات والأرض﴾، وأمَّا إثبات المعاد، فبقوله تعالى :﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ الله حَقّاً﴾ [يونس: ٤] فهذا ترتيبٌ في غاية الحسن، فإن قيل : كلمة " الَّذي " وضعت للإشارة إلى شيء معروف عند السَّامع، كما إذا قيل لك : مَنْ زَيْدٌ ؟ فتقول : الذي أبوه مُنْطلق، فهذا التعريف إنَّما يحسنُ لو كان أبوهُ منطلقاً أمراً معلوماً عند السَّامع، فهاهنا لما قال :﴿إِنَّ رَبَّكُمُ الله الذي خَلَقَ السماوات والأرض فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ يوجب أن يكون ذلك أمراً معلوماً عند السَّامع، والعرب ما كانوا عالمين بذلك، فكيف يحسن هذا التعريف ؟.
فالجواب : أنَّ هذا كان مشهُوراً عند اليهود والنصارى ؛ لأنَّه مذكور عندهم في التَّوراة والإنجيل، والعرب كانوا يُخالطُونَهُم، فالظَّاهر أنَّهم كانوا سمعُوه منهُم، فلهذا حَسُنَ هذا التعريف. فإن قيل : ما الفائدةُ في بيان الأيَّام التي خلق الله فيها السماوات والأرض، مع أنَّه تعالى قادر على خلق جميع العالم في أقلِّ من لمْح البصرِ ؟
فالجواب على قول أهل السُّنَّة : أنَّه تعالى يحْسُن منه كلّ ما أراد، ولا يُعَلَّلُ شيء من أفعاله بشيء من الحِكْمَة والمصالح، وأمَّا على قول المعتزلة : وهو أنَّ أفعالهُ تعالى مشتملةٌ على المصالحِ والحكمة، فقال القاضي :" لايبْعُد أنْ يكون خلق الله السماوات والأرض في هذه المُدَّة المخصوصة، أدخل في الاعتبار في حقِّ بعض المُكَلِّفين " ثم قال : فإن قيل : فمن المُعْتَبر ؟ ثم أجاب فقال : أما المعتبر فهو أنَّه لا بد من مُكلَّفٍ أو غير مكلَّف خلقه الله تعالى قبل خلقه السماوات والأرض وإلاَّ لكان خلقُهُمَا عبثاً.
فإن قيل : فَهَلاَّ جَازَ أن يَخْلقهمَا لأجل حيوان يَخْلقُهُ من بعد ؟.
قلنا : إنَّه تعالى لا يخاف الفوْت، فلا يجُوزُ أن يقدم على خلق لأجل حيوان سيحدُث بعد ذلك، وإنَّما يصحُّ ذلك منَّا في مُقدِّمَات الأمُور، لأنَّا نخشى الفَوْت، ونخافُ العَجْز.
قال : وإذا ثَبَتَ هذا، فقد صحَّ ما روي في الخبر أنَّ خلق الملائكة والجنِّ، كان سابقاً على خلقِ السماوات والأرض.
فإن قيل : أولئك الملائكةَ لا بدَّ لهم من مكانٍ، وقبل خلق السماوات والأرض لا مكان، فكيف يمكن وُجُودهُم بلا مكان ؟
قلنا : الذي يقدر على تَسْكِين العَرْش والسماوات والأرض في أمكنتها، كيف يعجزُ عن تسكين أولئك الملائكة في أحيازها بقدرته وحكمته ؟ وأمَّا وجه الاعتبار في ذلك فهُو أنَّه لمَّا حصل هناك مُعْتَبر، لم يمتنع أن يكون اعتباره بما شاهده حالاً بعد حال أقوى.
لأنَّ ما يحدث على هذا الوجه، فإنه يدلُّ على أنه صادر من فاعل حكيمٍ. وأمَّا المخلُوق دفعةً واحدةً فإنَّه لا يدلُّ على ذلك.
فإن قيل : هذه الأيام كأيَّام الدُّنيا، أو كما قال ابن عباس : إنَّها ستَّة أيَّام من أيَّام الآخرة كل يوم منها ألف سنة مِمَّا تعُدُّون.
فالجواب : قال القاضي : الظَّاهرُ في ذلك أنَّهُ تعريف لعباده مدَّة خلقه لهما، ولا يجوز أن يكون ذلك تعريفاً إلاَّ والمدَّة هذه الأيَّام المعلومة، ويمكن أن يقال : لمَّا وقع التعريف في الأيَّام المذكورة في التوراة والإنجيل، وكان المذكُورُ هناك أيَّام الآخرة لا أيَّام الدنيا، لم يكن ذلك قادحاً في صحَّة التعريف بها.
فإن قيل : هذه الأيام إنما تعد بطُلوع الشمس وغروبها، وهذا المعنى مفقودٌ قبل خلقها، فكيف يعقل هذا التعريف ؟
فالجواب : التعريف يحصل بما أنَّه لَوْ وقع حدوثُ السماوات والأرض في مدَّة، لو حصل هناك أفلاك دائرة وشمسٌ وقمر، لكانت تلك المُدَّة مساوية لستَّة أيَّام.
فإن قيل : هذا يقتضي حصول مدَّة قبل خلقِ العالم، يحصل فيها حدوث العالم، وذلك يوجبُ قدم المُدَّة.
فالجواب : أن تلك المُدَّة غير موجودة، بل هي مفروضة موهُومة، لأنَّ تلك المُدَّة المعينة حادثةٌ، وحدوثها لا يحتاج إلى مدَّة أخرى، وإلا لزم إثبات أزمنة لا نهاية لها وذلك محالٌ، فكلُّ ما يقولونه في حدوث المدَّة، فنحن نقوله في حدوث العالم.
فإن قيل : اليومُ قد يُراد به اليوم مع ليلتِهِ، وقد يُرَاد به النَّهَار وحده، فما المرادُ بهذه الآية ؟ فالجواب : أنَّ الغالبَ في اللُّغة هو اليوم بليلته.
قوله :﴿ثُمَّ استوى عَلَى العرش﴾ قال ابنُ الخطيب : لا يمكن حمل الآية على ظاهرها، لأنَّ الاستواء على العرش معناه كونه مستقرًّا عليه، بحيث إنَّه لولا العرش لسقط ونزل، وإثبات هذا المعنى يقتضي كونه تعالى محتاجاً إلى العرش، وإنه لولا العرش لسقط ونزل، وذلك محالٌ، لإجماع المسلمين على أنَّه تعالى هو المُمْسِكُ له والحافظُ له، وأيضاً فإن قوله :" ثُمَّ استوى " يدل على أنه قبل ذلك ما كان مُسْتَوياً عليه، وذلك يدلُّ على أنَّه تعالى يتغيَّر من حالٍ إلى حالٍ، وكل متغير محدث، وذلك باطلٌ بالاتِّفاق. وأيضاً : لمَّا حدث الاستواء في هذا الوقت دلَّ على أنَّ تعالى كان قبل هذا الوقت مُضْطَرباً متحرِّكاً، وذلك من صفاتِ المُحدثات. وأيضاً ظاهرُ الآية يدلُّ على أنه تعالى إنَّما استوى على العرش بعد خلق السماوات والأرض ؛ لأنَّ كلمة " ثُمَّ " للتَّراخي، وذلك يدلُّ على أنَّه تعالى كان قبل العرش غنيّاً عن العرش، فلمَّا خلق العرش امتنع أن تنقلب حقيقتُه وذاته من الاستغناء إلى الحاجة، فوجب أن يبقى بعد خلق العرش غنيّاً عن العرش، ومن كان كذلك امتنع أن يكون مستقرّاً على العرش، فثبت بهذه الوجوه أنَّهُ لا يمكن حمل هذه الآية على ظاهرها، وإذا كان كذلك امتنع بالاستدلال بها في إثبات المكان والجهة، وإذا تقرَّر هذا، فقال جمهور المفسِّرين : المراد بالعرش هنا : هو الجسم العظيم الذي في السَّماء، وهو مخلوق قبل خَلْق السماوات والأرض، بدليل قوله :﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المآء﴾ [هود: ٧].
وقيل : المراد من العرش : الملك، يقال : فلان على عرشه أي : ملكه. وقال أبُو مسلم الأصفهاني. " المراد بالعَرْش : أنَّه تعالى لمَّا خلق السماوات والأرض سطحها ورفع سمكها، فإنَّ كلَّ بناء يسمَّى عَرْشاً، وبانيه يسمَّى عارشاً، قال تعالى ﴿وَمِنَ الشجر وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ [النحل: ٦٨] أي : يبنون، وقال :﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩]، والمراد : أنَّ القرية خلت منهم مع سلامة بنائها وقيام سقفها، وقال :﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المآء﴾ [هود: ٧] أي : بناؤه على الماءِ، وإنَّما ذكر الله تعالى ذلك، لأنه أعجب في القدرة، لأنَّ الباني يتباعد عن الماء إلى الأرض الصلبة، لئلاَّ ينهَدِم بناؤُه، والله تعالى بنى السماوات والأرض على الماء، ليعرف العُقلاء كمال قُدْرتِهِ، فالمُرَاد بالاستواء على العرش : هو الاستعلاء عليه بالقَهْر، لقوله ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ الفلك والأنعام مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُواْ على ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا استويتم عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: ١٢، ١٣]، فوجب حَمْلُ اللفظ على ذلك، ولا يجوزُ حمله على العرش الذي في السَّماء، لأنَّ الاستدلال على وجود الصَّانع، يجب أن يكون بشيء معلُوم ومشاهد، والعرش الذي في السماء ليس كذلك، وأمَّا أجرام السماوات والأرض فهي مشاهدة مَحْسُوسة، فكان الاستدلال بأحوالها على وجود الصَّانع صواباً حسناً ".
وبهذا الوجه تصير هذه الآية موافقةٌ لقوله :﴿أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السمآء بَنَاهَا﴾ [النازعات: ٢٧] الآية.
قوله :﴿يُدَبِّرُ الأمر﴾ فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه في محلِّ رفعٍ خبراً ثانياً ل " إنَّ ".
الثاني : أنَّه حالٌ.
الثالث : أنه مستأنفٌ لا محلَّ له من الإعراب. ومعنى " يدبِّر الأمر " : يقضيه وحده على حسب مقتضى الحكمة، أي : يُدبِّر أحْوَال الخَلْقِ، وأحوال ملكوت السماوات والأرض. قوله ﴿مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ أي : يدبر الأشياء، لا بشفاعة شفيعٍ، ولا تدبير مدبر، فمعناه : أن الشفعاء لا يشفعون إلا من بعد إذنِهِ.
فإن قيل : كيف يليق ذكر الشَّفيع مع ذكر مَبْدَأ الخَلْقِ، وإنَّما يليق ذكره بأحْوال القيامة ؟ فالجواب : قال الزَّجَّاج : إنَّ الكفَّار الذين كانوا مخاطبينَ بهذه الآية كانوا يقولون : إنَّ الأصنام شفعاؤنا عند الله. وهذا ردٌّ على النضر بن الحارث، كان يقول : إذا كان يوم القيامة تشفعني اللاَّت والعُزَّى.
وقال أبو مسلم :" الشَّفيعُ هاهنا هو الثاني، مأخوذ من الشفع الذي يخالف الوتر، كما يقال : الزوْج والفرد ". فمعنى الآية : خلق الله السماوات والأرض وحدهُ لا شريكَ يعينه، ثم خلق الملائكة والجنَّ والبشر، وهو المراد من قوله ﴿إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ أي : لم يحدُث أحدٌ ولم يدخل في الوجود، إلاَّ من بعد أن قال له : كُنْ حتَّى كان. ثم قال ﴿ذلكم الله رَبُّكُمْ فاعبدوه﴾ مُبَيِّناً بذلك أنَّ العبادة لا تصلح إلا له، وأنه هو المستحقُّ لجميع العبادات، لأنه هو المنعمُ بجميع النِّعم التي ذكرها.
ثم قال :﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ دالاًّ بذلك على وُجُوب التَّفكُّر في تلك الدَّلائل القاهرة الباهرة.
أحدهما : إثبات أنَّ لهذا العالم إلهاً قادراً قاهراً، نافِذَ الحُكم بالأمْر والنَّهي والتَّكليف.
والثاني : إثبات الحَشْر والنَّشر والبعث والقيامة، حتى يحصل الثَّواب والعقاب اللذان أخبر الأنبياءُ - عليهم الصلاة والسلام - عن حصولهما، فلذلك ذكر ما يدلُّ على تحقيق هذين الأمرين.
فإمَّا إثبات الإله، فبقوله تعالى :﴿إِنَّ رَبَّكُمُ الله الذي خَلَقَ السماوات والأرض﴾، وأمَّا إثبات المعاد، فبقوله تعالى :﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ الله حَقّاً﴾ [يونس: ٤] فهذا ترتيبٌ في غاية الحسن، فإن قيل : كلمة " الَّذي " وضعت للإشارة إلى شيء معروف عند السَّامع، كما إذا قيل لك : مَنْ زَيْدٌ ؟ فتقول : الذي أبوه مُنْطلق، فهذا التعريف إنَّما يحسنُ لو كان أبوهُ منطلقاً أمراً معلوماً عند السَّامع، فهاهنا لما قال :﴿إِنَّ رَبَّكُمُ الله الذي خَلَقَ السماوات والأرض فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ يوجب أن يكون ذلك أمراً معلوماً عند السَّامع، والعرب ما كانوا عالمين بذلك، فكيف يحسن هذا التعريف ؟.
فالجواب : أنَّ هذا كان مشهُوراً عند اليهود والنصارى ؛ لأنَّه مذكور عندهم في التَّوراة والإنجيل، والعرب كانوا يُخالطُونَهُم، فالظَّاهر أنَّهم كانوا سمعُوه منهُم، فلهذا حَسُنَ هذا التعريف. فإن قيل : ما الفائدةُ في بيان الأيَّام التي خلق الله فيها السماوات والأرض، مع أنَّه تعالى قادر على خلق جميع العالم في أقلِّ من لمْح البصرِ ؟
فالجواب على قول أهل السُّنَّة : أنَّه تعالى يحْسُن منه كلّ ما أراد، ولا يُعَلَّلُ شيء من أفعاله بشيء من الحِكْمَة والمصالح، وأمَّا على قول المعتزلة : وهو أنَّ أفعالهُ تعالى مشتملةٌ على المصالحِ والحكمة، فقال القاضي :" لايبْعُد أنْ يكون خلق الله السماوات والأرض في هذه المُدَّة المخصوصة، أدخل في الاعتبار في حقِّ بعض المُكَلِّفين " ثم قال : فإن قيل : فمن المُعْتَبر ؟ ثم أجاب فقال : أما المعتبر فهو أنَّه لا بد من مُكلَّفٍ أو غير مكلَّف خلقه الله تعالى قبل خلقه السماوات والأرض وإلاَّ لكان خلقُهُمَا عبثاً.
فإن قيل : فَهَلاَّ جَازَ أن يَخْلقهمَا لأجل حيوان يَخْلقُهُ من بعد ؟.
قلنا : إنَّه تعالى لا يخاف الفوْت، فلا يجُوزُ أن يقدم على خلق لأجل حيوان سيحدُث بعد ذلك، وإنَّما يصحُّ ذلك منَّا في مُقدِّمَات الأمُور، لأنَّا نخشى الفَوْت، ونخافُ العَجْز.
قال : وإذا ثَبَتَ هذا، فقد صحَّ ما روي في الخبر أنَّ خلق الملائكة والجنِّ، كان سابقاً على خلقِ السماوات والأرض.
فإن قيل : أولئك الملائكةَ لا بدَّ لهم من مكانٍ، وقبل خلق السماوات والأرض لا مكان، فكيف يمكن وُجُودهُم بلا مكان ؟
قلنا : الذي يقدر على تَسْكِين العَرْش والسماوات والأرض في أمكنتها، كيف يعجزُ عن تسكين أولئك الملائكة في أحيازها بقدرته وحكمته ؟ وأمَّا وجه الاعتبار في ذلك فهُو أنَّه لمَّا حصل هناك مُعْتَبر، لم يمتنع أن يكون اعتباره بما شاهده حالاً بعد حال أقوى.
لأنَّ ما يحدث على هذا الوجه، فإنه يدلُّ على أنه صادر من فاعل حكيمٍ. وأمَّا المخلُوق دفعةً واحدةً فإنَّه لا يدلُّ على ذلك.
فإن قيل : هذه الأيام كأيَّام الدُّنيا، أو كما قال ابن عباس : إنَّها ستَّة أيَّام من أيَّام الآخرة كل يوم منها ألف سنة مِمَّا تعُدُّون.
فالجواب : قال القاضي : الظَّاهرُ في ذلك أنَّهُ تعريف لعباده مدَّة خلقه لهما، ولا يجوز أن يكون ذلك تعريفاً إلاَّ والمدَّة هذه الأيَّام المعلومة، ويمكن أن يقال : لمَّا وقع التعريف في الأيَّام المذكورة في التوراة والإنجيل، وكان المذكُورُ هناك أيَّام الآخرة لا أيَّام الدنيا، لم يكن ذلك قادحاً في صحَّة التعريف بها.
فإن قيل : هذه الأيام إنما تعد بطُلوع الشمس وغروبها، وهذا المعنى مفقودٌ قبل خلقها، فكيف يعقل هذا التعريف ؟
فالجواب : التعريف يحصل بما أنَّه لَوْ وقع حدوثُ السماوات والأرض في مدَّة، لو حصل هناك أفلاك دائرة وشمسٌ وقمر، لكانت تلك المُدَّة مساوية لستَّة أيَّام.
فإن قيل : هذا يقتضي حصول مدَّة قبل خلقِ العالم، يحصل فيها حدوث العالم، وذلك يوجبُ قدم المُدَّة.
فالجواب : أن تلك المُدَّة غير موجودة، بل هي مفروضة موهُومة، لأنَّ تلك المُدَّة المعينة حادثةٌ، وحدوثها لا يحتاج إلى مدَّة أخرى، وإلا لزم إثبات أزمنة لا نهاية لها وذلك محالٌ، فكلُّ ما يقولونه في حدوث المدَّة، فنحن نقوله في حدوث العالم.
فإن قيل : اليومُ قد يُراد به اليوم مع ليلتِهِ، وقد يُرَاد به النَّهَار وحده، فما المرادُ بهذه الآية ؟ فالجواب : أنَّ الغالبَ في اللُّغة هو اليوم بليلته.
قوله :﴿ثُمَّ استوى عَلَى العرش﴾ قال ابنُ الخطيب : لا يمكن حمل الآية على ظاهرها، لأنَّ الاستواء على العرش معناه كونه مستقرًّا عليه، بحيث إنَّه لولا العرش لسقط ونزل، وإثبات هذا المعنى يقتضي كونه تعالى محتاجاً إلى العرش، وإنه لولا العرش لسقط ونزل، وذلك محالٌ، لإجماع المسلمين على أنَّه تعالى هو المُمْسِكُ له والحافظُ له، وأيضاً فإن قوله :" ثُمَّ استوى " يدل على أنه قبل ذلك ما كان مُسْتَوياً عليه، وذلك يدلُّ على أنَّه تعالى يتغيَّر من حالٍ إلى حالٍ، وكل متغير محدث، وذلك باطلٌ بالاتِّفاق. وأيضاً : لمَّا حدث الاستواء في هذا الوقت دلَّ على أنَّ تعالى كان قبل هذا الوقت مُضْطَرباً متحرِّكاً، وذلك من صفاتِ المُحدثات. وأيضاً ظاهرُ الآية يدلُّ على أنه تعالى إنَّما استوى على العرش بعد خلق السماوات والأرض ؛ لأنَّ كلمة " ثُمَّ " للتَّراخي، وذلك يدلُّ على أنَّه تعالى كان قبل العرش غنيّاً عن العرش، فلمَّا خلق العرش امتنع أن تنقلب حقيقتُه وذاته من الاستغناء إلى الحاجة، فوجب أن يبقى بعد خلق العرش غنيّاً عن العرش، ومن كان كذلك امتنع أن يكون مستقرّاً على العرش، فثبت بهذه الوجوه أنَّهُ لا يمكن حمل هذه الآية على ظاهرها، وإذا كان كذلك امتنع بالاستدلال بها في إثبات المكان والجهة، وإذا تقرَّر هذا، فقال جمهور المفسِّرين : المراد بالعرش هنا : هو الجسم العظيم الذي في السَّماء، وهو مخلوق قبل خَلْق السماوات والأرض، بدليل قوله :﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المآء﴾ [هود: ٧].
وقيل : المراد من العرش : الملك، يقال : فلان على عرشه أي : ملكه. وقال أبُو مسلم الأصفهاني. " المراد بالعَرْش : أنَّه تعالى لمَّا خلق السماوات والأرض سطحها ورفع سمكها، فإنَّ كلَّ بناء يسمَّى عَرْشاً، وبانيه يسمَّى عارشاً، قال تعالى ﴿وَمِنَ الشجر وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ [النحل: ٦٨] أي : يبنون، وقال :﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩]، والمراد : أنَّ القرية خلت منهم مع سلامة بنائها وقيام سقفها، وقال :﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المآء﴾ [هود: ٧] أي : بناؤه على الماءِ، وإنَّما ذكر الله تعالى ذلك، لأنه أعجب في القدرة، لأنَّ الباني يتباعد عن الماء إلى الأرض الصلبة، لئلاَّ ينهَدِم بناؤُه، والله تعالى بنى السماوات والأرض على الماء، ليعرف العُقلاء كمال قُدْرتِهِ، فالمُرَاد بالاستواء على العرش : هو الاستعلاء عليه بالقَهْر، لقوله ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ الفلك والأنعام مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُواْ على ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا استويتم عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: ١٢، ١٣]، فوجب حَمْلُ اللفظ على ذلك، ولا يجوزُ حمله على العرش الذي في السَّماء، لأنَّ الاستدلال على وجود الصَّانع، يجب أن يكون بشيء معلُوم ومشاهد، والعرش الذي في السماء ليس كذلك، وأمَّا أجرام السماوات والأرض فهي مشاهدة مَحْسُوسة، فكان الاستدلال بأحوالها على وجود الصَّانع صواباً حسناً ".
وبهذا الوجه تصير هذه الآية موافقةٌ لقوله :﴿أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السمآء بَنَاهَا﴾ [النازعات: ٢٧] الآية.
قوله :﴿يُدَبِّرُ الأمر﴾ فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه في محلِّ رفعٍ خبراً ثانياً ل " إنَّ ".
الثاني : أنَّه حالٌ.
الثالث : أنه مستأنفٌ لا محلَّ له من الإعراب. ومعنى " يدبِّر الأمر " : يقضيه وحده على حسب مقتضى الحكمة، أي : يُدبِّر أحْوَال الخَلْقِ، وأحوال ملكوت السماوات والأرض. قوله ﴿مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ أي : يدبر الأشياء، لا بشفاعة شفيعٍ، ولا تدبير مدبر، فمعناه : أن الشفعاء لا يشفعون إلا من بعد إذنِهِ.
فإن قيل : كيف يليق ذكر الشَّفيع مع ذكر مَبْدَأ الخَلْقِ، وإنَّما يليق ذكره بأحْوال القيامة ؟ فالجواب : قال الزَّجَّاج : إنَّ الكفَّار الذين كانوا مخاطبينَ بهذه الآية كانوا يقولون : إنَّ الأصنام شفعاؤنا عند الله. وهذا ردٌّ على النضر بن الحارث، كان يقول : إذا كان يوم القيامة تشفعني اللاَّت والعُزَّى.
وقال أبو مسلم :" الشَّفيعُ هاهنا هو الثاني، مأخوذ من الشفع الذي يخالف الوتر، كما يقال : الزوْج والفرد ". فمعنى الآية : خلق الله السماوات والأرض وحدهُ لا شريكَ يعينه، ثم خلق الملائكة والجنَّ والبشر، وهو المراد من قوله ﴿إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ أي : لم يحدُث أحدٌ ولم يدخل في الوجود، إلاَّ من بعد أن قال له : كُنْ حتَّى كان. ثم قال ﴿ذلكم الله رَبُّكُمْ فاعبدوه﴾ مُبَيِّناً بذلك أنَّ العبادة لا تصلح إلا له، وأنه هو المستحقُّ لجميع العبادات، لأنه هو المنعمُ بجميع النِّعم التي ذكرها.
ثم قال :﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ دالاًّ بذلك على وُجُوب التَّفكُّر في تلك الدَّلائل القاهرة الباهرة.