فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
قوله :﴿قُلْ أَرَأيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ﴾ هذا منه سبحانه تزييف لرأي الكفار في استعجال العذاب بعد التزييف الأوّل : أي أخبروني إن أتاكم عذاب الله ﴿بَيَاتًا﴾ أي : وقت بيات، والمراد به : الوقت الذي يبيتون فيه، وينامون ويغفلون، عن التحرز، والبيات بمعنى التبييت اسم مصدر كالسلام بمعنى التسليم، وهو منتصب على الظرفية، وكذلك نهاراً : أي وقت الاشتغال بطلب المعاش والكسب، والضمير في منه راجع إلى العذاب، وقيل : راجع إلى الله، والاستفهام في :﴿مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ المجرمون﴾ للإنكار المتضمن للنهي، كما في قوله :﴿أتى أَمْرُ الله فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ ووجه الإنكار عليهم في استعجالهم : أن العذاب مكروه تنفر منه القلوب، وتأباه الطبائع فما المقتضى لاستعجالهم له ؟ والجملة المصدرة بالاستفهام جواب الشرط بحذف الفاء، وقيل : إن الجواب محذوف، والمعنى : تندموا على الاستعجال، أو تعرفوا الخطأ منكم فيه. وقيل : إن الجواب قوله :﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ﴾ وتكون جملة ﴿مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ المجرمون﴾ اعتراضاً، والمعنى : إن أتاكم عذابه آمنتم به بعد وقوعه حين لا ينفعكم الإيمان. والأوّل : أولى. وإنما قال : يستعجل منه المجرمون، ولم يقل : يستعجلون منه ؛ للدلالة على ما يوجب ترك الاستعجال، وهو الإجرام ؛ لأن من حقّ المجرم أن يخاف من العذاب بسبب إجرامه، فكيف يستعجله ؟ كما يقال لمن يستوخم أمراً إذا طلبه : ماذا تجني على نفسك. وحكى النحاس عن الزجاج، أن الضمير في ﴿مِنْهُ﴾ إن عاد إلى العذاب كان لك في ﴿مَاذَا﴾ تقديران : أحدهما : أن تكون ما في موضع رفع بالابتداء، وذا بمعنى الذي، وهو خبر ما، والعائد محذوف. والتقدير الآخر : أن يكون ﴿مَاذَا﴾ إسماً واحداً في موضع رفع بالابتداء، والخبر ما بعده، وإن جعل الضمير في ﴿مِنْهُ﴾ عائداً إلى الله تعالى، كان ﴿مَاذَا﴾ شيئاً واحداً في موضع نصب بيستعجل، والمعنى : أيّ شيء يستعجل منه المجرمون : أي من الله عزّ وجلّ.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج الطبراني، وأبو الشيخ، عن أبي الأحوص، قال : جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود فقال : إن أخي يشتكي بطنه، فوصف له الخمر، فقال : سبحان الله ! ما جعل الله في رجس شفاء، إنما الشفاء في شيء من القرآن والعسل، فهما شفاء لهما في الصدور، وشفاء للناس. وأخرج أبو الشيخ، عن الحسن، قال :" إن الله جعل القرآن شفاء لما في الصدور، ولم يجعله شفاء لأمراضكم ". وأخرج ابن المنذر، وابن مردويه، عن أبي سعيد الخدري، قال : جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال : إني أشتكي صدري، فقال :" اقرأ القرآن، يقول الله : شفاء لما في الصدور " وأخرج البيهقي في شعب الإيمان، عن واثلة بن الأسقع، أن رجلاً شكا إلى النبيّ ﷺ وجع حلقه، قال :" عليك بقراءة القرآن والعسل، فالقرآن شفاء لما في الصدور، والعسل شفاء من كل داء ". وأخرج أبو داود، والحاكم وصححه، وابن مردويه، عن أبيّ قال : أقرأني رسول الله ﷺ بالتاء يعني الفوقية، وقد روي نحو هذا من غير هذه الطريق. وأخرج أبو الشيخ، وابن مردويه، عن أنس، قال : قال رسول الله ﷺ :﴿قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ﴾ قال :
«بفضل الله : القرآن، وبرحمته : أن جعلكم من أهله» وأخرج الطبراني في الأوسط، عن البراء، مثله من قوله. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والبيهقي في الشعب، عن أبي سعيد الخدري، مثله. وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر، والبيهقي عن ابن عباس، في الآية قال : بكتاب الله وبالإسلام. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي، عنه قال : فضله : الإسلام، ورحمته : القرآن. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي، عنه أيضاً قال : بفضل الله القرآن، وبرحمته : حين جعلهم من أهله. وقد روي عن جماعة من التابعين نحو هذه الروايات المتقدّمة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس، هو خير مما يجمعون من الأموال والحرث والأنعام.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى