الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
قوله :﴿قل أرأيتم إن آتاكم عذابه بياتا أو نهارا﴾ إلى قوله ﴿تكسبون﴾(١)[ ٥٠-٥٢ ].
قوله :﴿منه المجرمون﴾ الهاء : تعود على العذاب، وقيل : على اسم الله عز وجل(٢).
ويشهد لرجوعها على ( العذاب ) قوله :﴿ويستعجلونك بالعذاب﴾(٣)، ويشهد لرجوعها على الله سبحانه قوله :﴿بعذاب واقع للكافرين ليس له دافع﴾(٤)، فإذا جعلتها عائدة على ( العذاب )، ( فما ) في موضع رفع بالابتداء، وإذا جعلتها بمعنى ( الذي ) خبر ( ما )(٥) ويجوز أن تكون ( ما ) و( ذا ) شيئا واحدا في موضع رفع(٦). والخبر في الجملة، وإن جعلت ( الهاء ) تعود على اسم الله سبحانه وجعلت ( ما ) و( ذا ) اسما واحدا كانت ( ما ) في موضع نصب بمستعجل(٧) والمعنى : أي شيء يستعجل من الله المجرمون(٨)، وإن جعلت ( ما ) اسما، و( ذا ) بمعنى ( الذي ) كانت كالأولى(٩) : ابتداء وخبر(١٠).
وكون(١١) الهاء تعود على العذاب أحسن(١٢) لقوله :﴿أثم إذا ما وقع آمنتم به﴾[ ٥١ ](١٣).
والمعنى : قل لهم يا محمد : أرأيتم(١٤) إن أتاكم هذا الذي تستعجلون به(١٥) من العذاب ليلا أو نهارا ما يستعجل من نزول العذاب المجرمون، وهم لا يقدرون على دفعه(١٦).
فمعنى الكلام : الإنكار عليهم لاستعجالهم بأمر، لا يقدرون على دفعه إذا حل بهم. ثم قال تعالى :﴿أثم إذا ما وقع(١٧) آمنتم به﴾[ ٥١ ].
قال الطبري :( أثم ) بمعنى ( هنالك ) إذا وقع(١٨) العذاب بكم آمنتم بالله عز وجل. وليست عنده، ثم(١٩) التي للعطف(٢٠)، وهو غلط منه(٢١). وإنما(٢٢) التي تكون بمعنى ( هنالك ) هي المفتوحة/ الثاء بمنزلة قوله :﴿وإذا رأيت ثم رأيت نعيما﴾(٢٣). والتقدير عند غيره أنها ( ثم ) التي للعطف. وفي الكلام حذف. والتقدير : أتأمنون إذا نزل بكم العذاب، فتؤمنون ثم يقال لكم : الآن آمنتم(٢٤)، وقد كنتم تريدون استعجاله، وحلوله بكم، فلما عاينتم حلوله آمنتم حين لا ينفعكم(٢٥) الإيمان، وهو مثل قوله :﴿فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده﴾[ ٨٣ ] إلى قوله ﴿بأسنا﴾[ ٨٤ ](٢٦) : أي : لم ينفعهم الإيمان عند معاينة العذاب. كذلك سنة الله عز وجل(٢٧) في الكافرين لا يقيلهم من كفرهم عند معاينتهم العذاب.
و( الآن ) عند الفراء أصلها : أوان(٢٨)، ثم حذفت الهمزة الثانية منها، وقلبت الواو ألفا، ثم دخلت الألف(٢٩) واللام وبنيت على الفتح(٣٠).
وقيل : أصلها ( الآن ) مثل ( حان ) ثم دخلتها الألف واللام، وبقيت على فتحها مثل :( قيل، وقال )(٣١).
وقال الزجاج : لا يحسن هذا القول، لأنه لو كان كذلك لم تدخل(٣٢) عليه الألف واللام(٣٣)، كما لا تدخل على ( قيل ).
وقال سيبويه : سبيل الألف واللام أن يدخلا لمعهود(٣٤)، و( الآن ) : ليس بمعهود، وإنما معناه :( نحن في هذا الوقت نفعل كذا، فلما تضمنت هذا بنيت على الفتح )(٣٥).
١ ط: يكسبون..
٢ انظر هذا الإعراب في: معاني الزجاج ٣/٢٤، وإعراب النحاس ٢/٢٥٨..
٣ الحج: ٤٧، والعنكبوت: ٥٣..
٤ المعارج: ٢ وفي النسختين معا: (بعذاب واقع من الله) وهو خطأ..
٥ كذا وردت في النسختين معا، ولعل ثمة سقطا..
٦ انظر هذا الإعراب في: إعراب مكي ١/٣٨٤، وإعراب العكبري ١/١٧٢..
٧ ساقط من النسختين..
٨ انظر هذا التوجيه في: إعراب النحاس ٢/٢٥٨، وإعراب مكي ١/٣٨٤، وإعراب العكبري ١/٦٧٧، والجامع ٨/٢٢٤..
٩ ق: كالأول..
١٠ ط: وخبرا..
١١ ق: وتكون..
١٢ ساقط من ق..
١٣ انظر هذا التوجيه في: معاني الفراء ١/٤٦٧، ومعاني الزجاج ٣/٢٤، وإعراب مكي ١/٣٨٤..
١٤ ط: أرأيتم. ق: آرأيت..
١٥ ق: يستعجلون له..
١٦ انظر هذا المعنى في: جامع البيان ١٥/١٠١..
١٧ ما بين القوسين ساقط من ط..
١٨ ط: مطموس..
١٩ ط: فتم. ق: بثم..
٢٠ انظر هذا التوجيه في: جامع البيان ١٥/١٠١، واختاره ابن فارس في: الصاحبي ٢١٧..
٢١ وهذا ما نقله ابن عطية في المحرر، رادا على الطبري في تفسيره للآية، حيث قال: (ما ادعاه الطبري غير معروف)..
٢٢ ق: إنما..
٢٣ الإنسان: ٢٠..
٢٤ انظر هذا التوجيه في: إعراب النحاس ٢/٢٥٨..
٢٥ ق: تنفعكم..
٢٦ غافر الآيتان ٨٣-٨٤ وتمامها: (وكفرنا بما كنابه مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا)..
٢٧ ساقط من ق..
٢٨ ق: وان..
٢٩ ساقط من ط..
٣٠ انظر هذا في: معاني الفراء ١/٤٦٨، وإعراب النحاس ٢/٢٥٨..
٣١ انظر هذا التوجيه في: معاني الفراء ١/٤٦٨، وإعراب النحاس ٢/٢٥٨، وهذا الوجه من الإعراب يحبذه ابن فارس في الصاحبي ٢٠٣، ويخطئون ابن سيدة في المحصص ١٤/٨٥، لأن الألف واللام إن كانتا بمعنى (الذي) لم يجز دخولهما إلا لضرورة..
٣٢ ط: يدخل..
٣٣ انظر: معاني الزجاج ٣/٢٤..
٣٤ ق: لعهود..
٣٥ انظر (أل) للتعريف في: الكتاب ٢/٥ و ٩٧ و٣/٢٤٢ و٣٢٥ و٤/٢٢٦ وانظر بناء (الآن) على الفتح في الكتاب ٢/٤٠٠ و٣/٢٩٩. وانظر معاني الزجاج ٣/٢٤-٢٥، وإعراب النحاس ٢/٢٥٨..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى