اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله - تعالى - :﴿يا أيها الناس قَدْ جَآءَتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ﴾ الآية.
اعلم : أنَّه - تعالى - لمَّا بيَّن أنَّ الرسول حقٌّ وصدقٌ بظهور المعجزات على يديه، في قوله :﴿وَمَا كَانَ هذا القرآن أَن يفترى مِن دُونِ الله﴾ [يونس: ٣٧] إلى قوله ﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس: ٣٨] وصف القرآن هنا بصفاتٍ أربع :
أولها : كونه موعظة.
وثانيها : كوه شفاءً لما في الصُّدُور.
وثالثها : كونه هُدًى.
ورابعها : كونه رحمة للعالمين.
قوله :" مِّن رَّبِّكُمْ " يجوز أن تكون " مِنْ " لابتداء الغاية، فتتعلَّق حينئذٍ ب " جَآءَتْكُمْ "، وابتداءُ الغايةِ مجازٌ، ويجوز أن تكون للتَّبعيض، فتتعلق بمحذوف على أنَّها صفةٌ ل " موعظة " أي : موعظةٌ كائنةٌ من مواعظ ربِّكُم.
وقوله :﴿مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَآءٌ لِّمَا فِي الصدور وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ من باب ما عطف فيه الصِّفات بعضها على بعضٍ، أي : قد جاءتكم موعظةٌ جامعةٌ لهذه الأشياء كلِّها، و " شِفَاءٌ " في الأصل مصدرٌ جعل وصفاً مبالغة، أو هو اسمٌ لما يُشْفَى به، أي : يُداوى، فهو كالدَّواءِ لما يُدَاوى، و " لِمَا في الصُّدورِ " يجوز أن يكون صفةً ل " شِفَاء " فيتعلق بمحذوفٍ، وأن تكون اللامُ زائدةً في المفعول ؛ لأنَّ العامل فرعٌ إذا قلنا بأنَّه مصدرٌ.
وقوله :" لِلْمؤمنينَ " محتملٌ لهذين الوجهين، وهو من التَّنازُع ؛ لأنَّ كلاًّ من الهُدَى والرحمة يطلبُه.

فصل


أمَّا كون القرآن موعظةً ؛ فلاشتماله على المواعظِ والقصص، وكونه شفاءً، أي : دواءً، لجهل ما في الصُّدورِ، أي : شفاء لعمى القُلُوب، والصُّدُور موضعُ القلب، وهو أعز موضع في الإنسان لجواز القلب، قال - تعالى - :﴿فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي فِي الصدور﴾ [الحج: ٤٦] وكونه هُدًى، أي : من الضَّلالة، ﴿وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾، والرَّحْمَة : هي النعمة على المحتاج ؛ فإنَّه لو أهدى ملكٌ إلى ملك شيئاً، فإنَّه لا يقال رحمة وإن كان ذلك نعمة ؛ فإنَّه لم يصنعها إلى المحتاج.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى