بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَمَا تَكُونُ فِى شَأْنٍ﴾، أي : وما تكون يا مُحَمَّدُ في أمر من الأمور، ﴿وَمَا تَتلوا منه من قرآن﴾ وما تقرأ من الله من قرآن، ممَّا أوحي إليك. فخاطب النبي ﷺ، وخاطب أمته أيضاً، فقال :﴿وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا﴾ يعني : عالماً بكم، وبأعمالكم، فلا تنسوه. ويقال : إلاّ جعل عليكم شاهداً من الملائكة، وهم الحفظة ﴿إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ يعني : حين تأخذون في قراءة القرآن. ويقال : حين تخوضون فيه.
﴿وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبّكَ﴾ قرأ الكِسَائِيُّ :﴿وَمَا يَعْزُبُ﴾ بكسر الزَّاي. وقرأ الباقون : بالضَّم، وهما لغتان جيدتان. وهكذا ذُكِرَ عن الفَرَّاءِ. يعني : وما يغيب ﴿عَن رَّبّكَ مِن مّثْقَالِ ذَرَّةٍ﴾ قال الكَلْبِيّ : وهي النَّملة الحُمَيْرَاءُ. وقال مقاتل : أصغر نملة في الأرض. ويقال : الذَّر ما يُرَى من شعاع الشَّمس، والمثقال عبارة عن الوزن. يعني : لا يغيب عنه وزن الذَّرَّة ﴿فِي الأرض وَلاَ فِى السماء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذلك﴾ يعني : ولا أخف من وزن الذَّرَّة ﴿وَلا أَكْبَرَ﴾، يعني : ولا أثقل من وزن الذَّرَّة. ويقال : لا أقلَّ منه، ولا أعظم، ﴿إِلاَّ فِى كتاب مُّبِينٍ﴾. يعني : مكتوباً في اللَّوح المحفوظ. قرأ حمزة :﴿وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذلك وَلا أَكْبَرَ﴾ بضمِّ الرَّاءين. ومعناه : ولا يغيب عنه أصغر من ذلك، ولا أكبر منه، فيصير رفعاً لأنه فاعل. وقرأ الباقون بالنَّصب، لأن معناه : ولا يغيب عنه بمثقال ذرة في الأرض ولا في السَّماء، ولا بمثقال ذرَّة أصغر من ذلك. فموضعه خَفْضٌ، إلاّ أنّه لا ينصرف فصار نصباً.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى