الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿مِن بَعْدِهِ﴾ : أي : بعد نوح. " بالبينات " متعلقٌ ب " جاؤُوهم "، أو بمحذوفٍ على أنه حال، أي : ملتبسين بالبينات. وقوله :" ليؤمِنوا " أتى بلام الجحود توكيداً. والضمير في " كَذَّبوا " عائدٌ على مَنْ عاد عليه الضمير في " كانوا " وهم قومُ الرسل. والمعنى : أنَّ حالَهم بعد بعثِ الرسل كحالِهم قبلها في كونهم أهلَ جاهلية، وقال أبو البقاء ومكي :" إن الضميرَ في " كانوا " يعود على قوم الرسل، وفي " كَذَّبوا " يعودُ على قوم نوح، والمعنى : فما كان قومُ الرسلِ ليؤمنوا بما كَذَّب به قومُ نوح، أي : بمثلِه. ويجوز أن تكونَ الهاءُ عائدةً على نوح نفسه من غير حَذْفِ مضافٍ، والتقدير : فما كان قومُ الرسلِ بعد نوح ليؤمنوا بنوحٍ، إذ لو آمنوا به لآمنوا بأنبيائهم. و " من قبل " متعلقٌ ب " كَذَّبوا " أي من قبل بعثة الرسل. وقيل : الضمائرُ كلُّها تعودُ على قوم الرسل بمعنى آخر : وهو أنهم بادروا رسلَهم بالتكذيب، كلما جاءَ رسولٌ لَجُّوا في الكفرِ وتمادَوْا عليه فلم يكونوا لِيؤمنوا بما سَبَقَ به تكذيبُهم من قبلِ لَجِّهم في الكفر وتمادِيهم.
وقال ابن عطية :" ويحتمل اللفظُ عندي معنى آخر، وهو أن تكونَ " ما " مصدرية، والمعنى : فكذَّبوا رسلَهم فكان عقابهم من الله أَنْ لم يكونوا ليؤمنوا بتكذيبهم مِنْ قبل، أي : من سببه ومن جزائه، ويؤيِّد هذا التأويلَ " كذلك نطبع "، وهو كلامٌ يحتاج لتأمُّل ". قال الشيخ :" والظاهرُ أنَّ " ما " موصولةٌ، ولذلك عاد الضمير عليها في قوله :﴿بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ﴾ ولو كانت مصدريةً بقي الضميرُ غيرَ عائدٍ على مذكور، فتحتاج أن يتُكلَّفَ ما يعود عليه الضمير ". قلت : الشيخ بناه على قولِ جمهورِ النحاة في عدمِ كونِ " ما " المصدرية اسماً فيعود عليها ضميرٌ، وقد نبَّهْتُك غيرَ مرةٍ أن مذهبَ الأخفش وابن السراج أنها اسمٌ فيعود عليها الضمير.
وقرأ العامَّةُ " نَطْبع " بالنون الدالة على تعظيم المتكلم. وقرأ العباس بن الفضل بياء الغيبة وهو الله تعالى، ولذلك صرَّح به في موضعٍ آخرَ
﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ١٠١]. والكافُ نعتٌ لمصدر محذوف، أو حالٌ من ضمير ذلك المصدرِ على حسبِ ما عرفته من الخلاف، أي : مثلَ ذلك الطَّبْع المُحْكمِ الممتنعِ زوالُه نطبع على قلوب المُعْتدين على خَلْق الله.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى