فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ﴾ أي : من بعد نوح ﴿رُسُلاً﴾ كهود وصالح، وإبراهيم ولوط، وشعيب ﴿فَجَاءوهُم بالبينات﴾ أي : بالمعجزات وبما أرسلهم الله به من الشرائع التي شرعها الله لقوم كل نبيّ ﴿فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ﴾ أي : فما أحدثوا الإيمان بل استمرّوا على الكفر وأصرّوا عليه، والمعنى : أنه ما صح ولا استقام لقوم من أولئك الأقوام الذين أرسل الله إليهم رسله أن يؤمنوا في وقت من الأوقات ﴿بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ﴾ أي : من قبل تكذيبهم الواقع منهم عند مجيء الرسل إليهم، والمعنى : أن كل قوم من العالم لم يؤمنوا عند أن أرسل الله إليهم الرسول المبعوث إليهم على الخصوص بما كانوا مكذبين به من قبل مجيئه إليهم ؛ لأنهم كانوا غير مؤمنين، بل مكذبين بالدين، ولو كانوا مؤمنين لم يبعث إليهم رسولاً، وهذا مبنيّ على أن الضمير في ﴿فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ﴾ وفي :﴿بِمَا كَذَّبُواْ﴾ راجع إلى القوم المذكورين في قوله :﴿إلى قَوْمِهِمْ﴾ وقيل : ضمير كذبوا راجع إلى قوم نوح : أي فما كان قوم الرسل ليؤمنوا بما كذب به قوم نوح من قبل أن يأتي هؤلاء الأقوام الذين جاءوا من بعدهم ﴿وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات﴾ وقيل : إن الباء في ﴿بما كذبوا به من قبل﴾ للسببية، أي فما كانوا ليؤمنوا عند مجيء الرسل بسبب ما اعتادوه من تكذيب الحق من قبل مجيئهم، وفيه نظر. وقيل المعنى :﴿بما كذبوا به من قبل﴾ : أي في عالم الذرّ فإن فيهم من كذب بقلبه، وإن آمنوا ظاهراً. قال النحاس : ومن أحسن ما قيل : إنه لقوم بأعيانهم ﴿كَذَلِكَ نَطْبَعُ على قُلوبِ المعتدين﴾ أي : مثل ذلك الطبع العظيم نطبع على قلوب المتجاوزين للحدّ المعهود في الكفر، وقد تقدّم تفسير هذا في غير موضع.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن أبي حاتم، عن الأعرج، في قوله :﴿فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ﴾ يقول : فأحكموا أمركم، وادعوا شركاءكم. وأخرج أيضاً عن الحسن في الآية أي : فليجمعوا أمرهم معكم. وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله :﴿ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾ قال : لا يكبر عليكم أمركم ﴿ثُمَّ اقضوا﴾ ما أنتم قاضون. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله :﴿ثُمَّ اقضوا﴾ قال : انهضوا ﴿إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونَ﴾ يقول : ولا تؤخرون.

وقد أخرج ابن أبي حاتم، عن الأعرج، في قوله :﴿فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ﴾ يقول : فأحكموا أمركم، وادعوا شركاءكم. وأخرج أيضاً عن الحسن في الآية أي : فليجمعوا أمرهم معكم. وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله :﴿ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾ قال : لا يكبر عليكم أمركم ﴿ثُمَّ اقضوا﴾ ما أنتم قاضون. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله :﴿ثُمَّ اقضوا﴾ قال : انهضوا ﴿إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونَ﴾ يقول : ولا تؤخرون.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى