فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان

عن الكتاب
﴿ثم بعثنا من بعده﴾ أي من بعد نوح عليه السلام ﴿رسلا إلى قومهم﴾ لم يسم هنا من كان بعد نوح من الرسل، وقد كان بعده هود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب ﴿فجاؤوهم بالبينات﴾ أي المعجزات الباهرات والدلالات الواضحات وبما أرسلهم الله به من الشرائع التي شرعها لقوم كل نبي ﴿فما كانوا ليؤمنوا﴾ أي فلما أحدثوا الإيمان بل استمروا على الكفر وأصروا عليه.
والمعنى أنه ما صح ولا استقام لقوم من أولئك الأقوام الذين أرسل الله إليهم رسله أن يؤمنوا في وقت من الأوقات ﴿بما كذبوا به من قبل﴾ أي من قبل تكذيبهم الواقع منهم عند مجيء الرسل إليهم، والمعنى أن كل قوم من العالم لم يؤمنوا عند أن أرسل الله إليهم الرسول المبعوث إليهم على الخصوص بما كانوا مكذبين به من قبل مجيئه إليهم، لأنهم كانوا غير مؤمنين بل مكذبين بالدين ولو كانوا مؤمنين لم يبعث إليهم رسولا، وهذا مبني على أن الضمير في ﴿كانوا وكذبوا﴾ راجع إلى القوم المذكورين في قوله ﴿إلى قومهم﴾ وقيل ضمير كذبوا راجع إلى قوم نوح أي فما كان قوم الرسل ليؤمنوا بما كذب به قوم نوح وقيل المعنى بما كذبوا به من قبل أي في عالم الذر.
﴿كذلك﴾ أي مثل ذلك الطبع العظيم المحكم ﴿نطبع﴾ بنون العظمة، وقرئ بالياء على أن الضمير له ﴿على قلوب المعتدين﴾ أي المتجاوزين للحدود المعهودة في الكفر والعناد المتجافين عن قبول الحق وسلوك طريق الرشاد وذلك بخذلانهم وتخليتهم وشأنهم لانهماكهم في الغي والضلال وقد تقدم تفسير هذا في غير موضع.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى