البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
وفي الآية مسلاة للرسول ﷺ بقلة من آمن لموسى ومن استجاب له مع ظهور ذلك المعجز الباهر، ولم يؤمن له إلا ذرية من قومه، وخطاب موسى عليه السلام لمن آمن بقوله : يا قوم، دليل على أن المؤمنين الذرية كانوا من قومه، وخاطبهم بذلك حين اشتد خوفهم مما توعدهم به فرعون من قتل الآباء وذبح الذرية.
وقيل : قال لهم ذلك حين قالوا إنا لمدركون.
وقيل : حين قالوا : أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا، قيل : والأول هو الصواب، لأنّ جواب كل من القولين مذكور بعده وهو :
﴿كلا إن معي ربي سيهدين﴾ وقوله :﴿عسى ربكم أن يهلك عدوكم﴾ الآية وعلق توكلهم على شرطين : متقدم، ومتأخر.
ومتى كان الشرطان لا يترتبان في الوجود فالشرط الثاني شرط في الأول، فمن حيث هو شرط فيه يجب أن يكون متقدماً عليه.
فالإسلام هو الانقياد للتكاليف الصادرة من الله، وإظهار الخضوع وترك التمرّد، والإيمان عرفان القلب بالله تعالى ووحدانيته وسائر صفاته، وأنّ ما سواه محدث تحت قهره وتدبيره.
وإذا حصل هذان الشرطان فوض العبد جميع أموره إلى الله تعالى، واعتمد عليه في كل الأحوال.
وأدخل أنْ على فعلي الشرط وإن كانت في الأغلب إنما تدخل على غير المحقق مع علمه بإيمانهم على وجه إقامة الحجة وتنبيه الأنفس وإثارة الأنفة، كما تقول : إن كنت رجلاً فقاتل، تخاطب بذلك رجلاً تريد إقامة البينة.
وطول ابن عطية هنا في مسألة التوكل بما يوقف عليه في كتابه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى