الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي

عن الكتاب
﴿فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ﴾، الآية، وقد أكثر العلماء في تفسير معنى الآية، قال مقاتل : قالت كفار مكة : إنما ألقى هذا الوحي على لسان محمد شيطان، فأنزل الله تعالى :﴿فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ﴾ يعني القرآن.
﴿فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ﴾ يخبرونك أنه مكتوب عندهم في التوراة رسولا نبياً.
وقيل : الخطاب للرسول ﷺ والمراد به غيره من الشاكّين به، كما ذهب العرب في خطابهم الرجل بالشيء ويريدون به غيره، كقوله تعالى :
﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ١] كأن الخطاب للنبي ﷺ والمراد به المؤمنون، ويدلّ عليه قوله تعالى :
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ [النساء: ٩٤] [الأحزاب: ٢] ولم يقل : تعمل.
قال المفسرون : كان الناس على عهد رسول الله ﷺ قالوا : آمنا بالله بلسانهم، ومنهم كافر مكذّب لا يرى إلاّ أن ما جاء به باطل، أو شاكّ في الأمر لا يدري كيف هو يقدّم رجلا ويؤخِّر أخرى، فخاطب الله هذا الصنف من الناس فقال :﴿فَإِن كُنتَ﴾ أيها الإنسان ﴿فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ﴾ من الهدى على لسان محمد ( ﷺ ).
﴿فَاسْأَلِ﴾ الأكابر من علماء أهل الكتاب مثل عبد الله بن سلاّم، وسلمان الفارسي، وتميم الداري وأشباههم فيشهدوا على صدقه، ولم يرد المعاندين منهم.
وقيل : إنْ بمعنى ( ما )، وتقديره : فما كنت في شك مما أنزلنا إليك، فاسألوا يا معاشر الناس أنتم دون النبي. كما قال :
﴿وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ [إبراهيم: ٤٦] بمعنى وما كان مكرهم.
وقيل : إنّ الله علم أن الرسول ﷺ لم يشكّ ولكنّه أراد أن يأخذ الرسول بقوله لا أشك ولا [ أماريٍ ] إدامةً للحجة على الشاكّين من قومه كما يقول لعيسى :
﴿ءَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦] وهو يعلم أنه لم يقل ذلك، بدليل قوله :
﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [المائدة: ١١٦] إدامة للحجة على النصارى.
وقال الفرّاء : علم الله تعالى أن رسول الله ﷺ غير شاكّ، فقال له : فإن كنتَ في شكّ، وهذا كما تقول لغلامك الذي لا تشك في ملكك إياه : إن كنت عبدي فأطعني، أو تقول لابنك : إن كنت ابني فبرّني.
وقال عبد العزيز بن يحيى الكناني : الشاك في الشيء يضيق به صدراً، فيقال لضيِّق الصدر شاك، يقول : إن ضقت ذرعاً بما تعاين من تعنتهم وأذاهم فاصبر، واسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك يخبروك كيف صبر الأنبياء على أذى [ قومهم ] وكيف كان عاقبة أمرهم من النصر والتمكين.
وسمعت أبا القاسم الحسن بن محمد بن حبيب سمعت أبا بكر محمد بن محمد بن أحمد القطان في [ ذلك :] كان جائزاً على الرسول ﷺ وسوسة الشيطان لأن المجاهدة في ردّها يستحق عليها عظيم الثواب والله [. . . . . . . . . . . . ] وكان يضيق صدره من ذلك والله أعلم. وقال الحسين بن الفضل مع [ حيث ] الشرط لا يثبت الفعل.
والدليل عليه ما روي أن رسول الله ﷺ قال لما نزلت هذه الآية :" والله لا أشك ولا أسأل ".
ثم أفتى [ وزوّدنا ] بالكلام فقال :{ لَقَدْ جَآءَكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ *

تفسير هذه الآية من كتب أخرى