التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
وبعد هذا الحديث المتنوع عن قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون وملئه، ومع قومه بنى إسرائيل، وجه القرآن خطابا إلى النبى - ﷺ - تثبيتا لقلبه، وتسلية له عما أصابه من أذى، فقال - تعالى - :
﴿فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الذين...﴾
المراد ﴿مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ﴾ هنا : ما أوحاه الله - تعالى - إلى نبيه - ﷺ - من قصص حكم يتعلق بأنبياء الله - تعالى - ورسله.
قال الآلوسى : " وحضت القصص بالذكر، لأن الأحكام المنزلة عليه - ﷺ - ناسخة لأحكامهم، ومخالفة لها فلا يتصور سؤالهم عنها ".
والمراد بالكتاب : جنسه فيشمل التوراة والإِنجيل.
والمعنى : فإن كنت أيها الرسول الكريم - على سبيل الفرض والتقدير - في شك مما أنزلنا إليك من قصص حكيم كقصة موسى ونوح وغيرهما ﴿فَاسْأَلِ الذين يَقْرَءُونَ الكتاب مِن قَبْلِكَ﴾ وهم علماء أهل الكتاب، فإن ما قصصناه عليك ثابت في كتبهم.
فليس المراد من هذه الآية ثبوت الشك للرسول - ﷺ - وإنما المراد على سبيل الفرض والتقدير، لا على سبيل الثبوت.
قال ابن كثير : " قال قتادة بن دعامة : بلغنا أن رسول الله - ﷺ - قال : " لا أشك ولا أسأل ".
وكذا قال ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن البصري، وهذا فيه تثبيت للأمة، وإعلام لهم بأن صفة نبيهم - ﷺ - موجودة في الكتب المتقدمة التي بأيدى أهل الكتاب، كما قال - تعالى - ﴿الذين يَتَّبِعُونَ الرسول النبي الأمي الذي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التوراة والإنجيل...﴾ وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - في شأن عيسى - عليه السلام - :﴿أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذوني وَأُمِّيَ إلهين مِن دُونِ الله قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ...﴾ فعيسى - عليه السلام - يعلم علم اليقين أنه لم يقل ذلك، وإنما يفرض قوله فرضا. ليستدل عليه بأنه لو قاله لعلمه الله - تعالى - منه.
أى : إن كنت قلته - على سبيل الفرض والتقدير - فقولى هذا لا يخفى عليك.
قال صاحب الكشاف ما ملخصه : فإن قلت : كيف قال الله - تعالى - لرسوله - ﷺ - ﴿فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ...﴾ ؟
قلت : هو على سبيل الفرض والتمثيل. كأنه قيل : فإن وقع لك شك - مثلا - وخيل لك الشيطان خيالا منه تقديرا ﴿فَاسْأَلِ الذين يَقْرَءُونَ الكتاب﴾.
والمعنى : أن الله - عز وجل - قدم ذكر بنى إسرائيل، وهم قراءة الكتاب ووصفهم بأن العلم قد جاءهم، لأن أمر رسول الله - ﷺ - مكتوب عندهم في التوراة والإِنجيل، وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم فأراد أن يؤكد علمهم بصحة القرآن، وصحة نبوة محمد - ﷺ - ويبالغ في ذلك فقال : فإن قوع لك شك فرضا وتقديرا.
فسل علماء أهل الكتاب يعنى أنهم من الإِحاطة بصحة ما أنزل إليك، بحيث يصلحون لمراجعة مثلك، فضلا عن غيرك.
فالغرض وصف الأحبار بالرسوخ في العلم بصحة ما أنزل إلى رسول الله - ﷺ - لا صوفه بالشك فيه.
ويجوز أن يكون على طريق التهييج والإِلهاب كقوله ﴿فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الممترين﴾ كلام مستأنف مؤكد لاجتثاث إرادة الشك.
والتقدير : أقسم لقد جاءك الحق الذي لا لبس فيه من ربك لا من غيره، فلا تكونن من الشاكين المترددين في صحة ذلك.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى