التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم أضاف - سبحانه - إلى هذه التسلية لرسوله - ﷺ - تسلية أخرى فقال :﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأرض كُلُّهُمْ جَمِيعاً...﴾ ومفعول المشيئة محذوف والتقدير :
ولو شاء ربك - يا محمد - إيمان أهل الأرض كلهم جميعا لآمنوا دون أن يتخلف منهم أحد، ولكنه - سبحانه - لم يشأ ذلك، لأنه مخالف للحكة التي عليها أساس التكوين والتشريع، والإِثابة والمعاقبة، فقد اقتضت حكمته - سبحانه - أن يخلق الكفر والإِيمان، وأن يحذر من الكفر ويحض على الإِيمان، ثم بعد ذلك من كفر فعليه تقع عقوبة كفره، ومن آمن فله ثواب إيمانه.
والهمزة في قوله - سبحانه - ﴿أَفَأَنتَ تُكْرِهُ الناس حتى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ للاستفهام الإِنكارى، والفاء للتفريع.
والمراد بالناس : المصرين على كفرهم وعنادهم.
والمعنى : تلك هي مشيئتنا لو أردنا إنقاذها لنفذناها، ولكننا لم نشأ ذلك فهل أنت يا محمد في وسعك أن تكهر الناس الذين لم يرد الله هدايتهم على الإِيمان ؟
لا، ليس ذلك في وسعك ولا في وسع الخلق جميعا، بل الذي في وسعك هو التبليغ لما أمرناك بتبليغه.
وفى هذه الجملة الكريمة تسلية أخرى للرسول - ﷺ - ودفع لما يضيق به صدره، من إعراض بعض الناس عن دعوته.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى