محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي

عن الكتاب
[ ١٠٠ ] ﴿ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم ١٠٠﴾.
﴿ورفع أبويه على العرش﴾ أي أجلسهما معه على سرير ملكه تكريما لهما ﴿وخروا له سجدا﴾ أي سجد له أبوه وإخوته الباقون، وكانوا أحد عشر، تحية وتكرمة له. وكان السجود عندهم للكبير يجري مجرى التحية عندنا.
﴿وقال يا أبت هذا﴾ أي السجود ﴿تأويل﴾ أي تعبير ﴿رؤياي من قبل﴾ أي / أنني رأيتها أيام الصبا، وهي سجود أحد عشر كوكبا والشمس والقمر ﴿قد جعلها ربي حقا﴾ أي صدقا مطابقا للواقع في الحس، ﴿وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن﴾ أي نجاني من العبودية، وجعل الملك مطيعا لي مفوضا إلي خزائن الأرض. وفي الاقتصار على التحدث بالخروج من السجن على جلالة ملكه، وفخامة شأنه من التواضع، وتذكر ما سلف من الضراء، استدامة للشكر، ما فيه من أدب النفس الباهر. وفيه إشارة إلى النعمة في الانطلاق من الحبس، لأنه كما قال عبد الملك بن عبد عزيز، لما كان في حبس الرشيد :
ومحلة شمل المكاره أهلهاوتقلدوا مشنوءة الأسماء
دار يهاب بها اللئام وتتقىوتقل فيها هيبة الكرماء
ويقول علج ما أراد، ولا ترىحرا يقول برقة وحياء
وبرق عن مس الملاحة وجههفيصونه بالصمت والإغضاء
وقال شاعر من المسجونين :
خرجنا من الدنيا ونحن من أهلهافلسنا من الأحياء فيها ولا الموتى
إذا جاءنا السجان يوما لحاجة*** عجبنا وقلنا : جاء هذا من الدنيا
ويؤثر عن يوسف عليه السلام أنه كتب على باب السجن : هذه منازل البلاء، وتجربة الأصدقاء، وشماتة الأعداء، وقبور الأحياء.
هذا وقد حاول كثير من الأدباء مدح السجن بسحر بيانهم. فقال علي بن الجهم :
قالوا :
حبست فقلت ليس بضائريحبسي. وأي مهند لا يغمد ؟
أو ما رأيت الليث يألف غابهكبرا وأوباش السباع تردد
والبدر يدركه المحاق فتنجليأيامه وكأنه متجدد
ولكل حال معقب ولربماأجلى لكل المكروه عما تحمد
والسجن، ما لم تغشه لدنيّةشنعاء، نعم المنزل المتورد
بيت يجدد للكريم كرامةفيزار فيه ولا يزور ويحفد
وأحسن ما قيل في تسلية المسجونين قول البحتري :
أما في رسول الله يوسف أسوةلمثلك محبوسا على الجور والإفك
أقام جميل الصبر في السجن برهةفآل به الصبر الجميل إلى الملك
نقله الثعالبي في ( اللطائف واليواقيت ).
﴿وجاء بكم من البدو﴾ أي البادية، وقد كانوا أصحاب مواش، ﴿من بعد أن نزغ﴾ أي أفسد ﴿الشيطان بيني وبين إخوتي﴾ أي بالحسد، وأسنده إلى الشيطان لأنه بوسوسته وإلقائه، وفيه تفاد عن تثريبهم أيضا، وإنما ذكره لأن النعمة بعد البلاء أحسن موقعا.
﴿إن ربي لطيف لما يشاء﴾ أي لطيف التدبير له، والرفق به، ﴿إنه هو العليم﴾ بوجوه المصالح، ﴿الحكيم﴾ في أفعاله وأقضيته.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:تنبيهان :
الأول - في فقه هذه الآيات : قال بعض اليمانيين : يستدل مما روي أن يوسف خرج للقاء أبيه، على حسن التعظيم باللقاء، وكذا يأتي مثله في التشييع، ومنه ما روي في تشييع الضيف. ويستدل مما روي أن المراد بأمه خالته - كما مر- أن من نسب رجلا إلى خالته فقال : يا ابن فلانة ! لم يكن قاذفا لها ويستدل من رفعهما على العرش ـ وهو السرير الرفيع - جواز اتخاذه، ورفع الغير، تعظيما للمرفوع. ويستدل من قوله :﴿وجاء بكم من البدو﴾ على أن الانتقال منه نعمة، وذلك لما يلحق أهل البادية من الجفاء، والبعد عن موارد العلوم، وعن رفاهة المدنية، ولطف المعاشرة، والكمالات الإنسانية. وروي لجرير(٢) :
أرض الحراثـة لو أتاهـا جـرولأعنـي الحطيئـة لاغتـدى حراثــا
مـا جئتهـا من أي وجـه جئتهــاإلا حسبـت بيـوتهــا أجـداثـــا
وفي الحديث (٣) :" من بدا جفا " أي : من حل البادية. وفي آخر(٤) " إن الجفا والقسوة في الفدادين ". ففي هذا دليل على حسن النقلة من البوادي إلى المدن. أ هـ بزيادة.
الثاني - قص كثير نبأ استقرار يعقوب وآله بمصر. ومجمله أن يوسف اختار لمستقرهم أرض جاسان، فلما دخلوا مصر أخبر يوسف فرعون بقدوم أبيه وإخوته وجميع ما لهم إلى أرض جاسان، ثم أدخل أباه على فرعون، فأكرمه وكلمه حصة، وسأله عن عمره فأجابه : مائة وثلاثون سنة، وأقطعه وبنيه أجود أرض في مصر، وهي أرض رعمسيس، أي عين شمس، وملكها إياهم، ودعا له يعقوب ثم انصرف. ثم أخذ يوسف خمسة من إخوته، فمثلهم بين يدي فرعون، فقال لهم : ما حرفتكم فأجابوه ـ كما أوصاهم يوسف ـ : نحن وآباؤنا رعاة غنم ! فقال فرعون ليوسف : إن كنت تعلم أن فيهم ذوي حذق، فأقمهم وكلاء على ماشيتي. وأجرى يوسف لأبيه وإخوته وسائر أهله طعاما على حسبهم. وأقاموا في أرض مصر بجاسان، فتملكوا فيها، ونموا وكثروا جدّا. وعاش يعقوب في أرض مصر سبع عشرة سنة، فكانت مدة عمره كله مائة وسبعا وأربعين سنة. ولما دنا أجله قال ليوسف لا تدفني بمصر إذا مت، بل احملني منها إلى مدفن آبائي، فأجابه لذلك. ثم بعد مدة أخبر يوسف بمرض أبيه، فأخذ ولديه وسار إلى أبيه، فانتعش أبوه بمقدمه ورأى ولديه، فقال : من هذان ؟ فقال : ابناي رزقنيهما الله هاهنا. فقال : أذنهما مني، فأدناهما، فقبلهما، ودعا لهما. وقال له : لم أكن أظن أني أرى وجهك، والآن أراني الله نسلك أيضا، ثم أعلم يوسف بدنو أجله، وبشره بأن الله سيكون معكم، ويردكم إلى أرض آبائكم. ثم دعا بقية بنيه ودعا لهم بالبركة، وأوصاهم بأن يضموه إلى قومه، ويدفنوه مع آبائه في المغارة التي في حبرون، وهي المعروفة اليوم بمدينة الخليل فإن فيها دفن إبراهيم، / وسارة امرأته وإسحاق ورفقة زوجته، وليأة امرأة يعقوب. ولما فرغ يعقوب من وصيته لبنيه فاضت روحه، فوقع يوسف على وجه أبيه، وبكى وقبله. ثم أمر الأطباء أن يحنطوه ويصبروه. ولما انقضت أيام التعزية به، استأذن يوسف فرعون بأن يبرح لدفن أبيه، عملا بوصيته فأذن له وسار من مصر، وصحبه إخوته آل أبيه وحاشيته، ووجهاء مصر، وأتباع فرعون في موكب عظيم، إلى أن وصلوا أرض كنعان ودفنوه في المغارة ـ كما أوصى ـ ثم عاد بمن معه إلى مصر، ولم يزل يوسف يرعى إخوته بالإكرام والإحسان، إلى أن قرب أجله فأوصاهم بأن ينقلوه معهم إذا عادوا إلى الأرض التي كتبها الله لآبائهم. ثم توفى يوسف. وهو ابن مائة وعشر سنين، فحنطوه، وجعلوه في تابوت بمصر.
وهذا ما قصه قدماء المؤرخين، والله أعلم بالحقائق، وإنما لم يذكر هذا، القرآن الكريم لأن القرآن لم يبن على قانون التاريخ، فليس فيه شيء من التاريخ من حيث هو قصص وأخبار، وإنما هي الآيات والعبر، تجلت في سياق الوقائع، ولذلك لم تذكر القصة بترتيبها وتفاصيلها، وإنما يذكر موضع العبرة فيها، كما سيأتي الإشارة إليه في قوله تعالى(٥) :﴿لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب﴾، وقوله(٦) :﴿وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك﴾. ومضى في المقدمة بسط هذا البحث، فراجعه. وسنذكر إن شاء الله في آخر السورة شيئا. من الحكم والعبر المقتبسة من نبأ يوسف، فانتظر.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى