زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَشَرَوْهُ﴾ هذا حرف من حروف الأضداد، تقول : شريت الشيء، بمعنى بعته ؛ وشريته، بمعنى اشتريته. فإن كان بمعنى باعوه، ففيهم قولان :
أحدهما : أنهم إخوته، وهو قول الأكثرين.
والثاني : أنهم السيارة، ولم يبعه إخوته، قاله الحسن، وقتادة. وإن كان بمعنى اشتروه، فإنهم السيارة.
قوله تعالى :﴿بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ فيه ثلاثة أقوال :
أحدها : أنه الحرام، قاله ابن عباس، والضحاك، وقتادة في آخرين.
والثاني : أنه القليل، قاله عكرمة، والشعبي. قال ابن قتيبة : البخس : الخسيس الذي بخس به البائع.
والثالث : الناقص، وكانت الدراهم عشرين درهما في العدد، وهي تنقص عن عشرين في الميزان، قاله أبو سليمان الدمشقي.
قوله تعالى :﴿دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ قال الفراء : إنما قيل :﴿معدودة﴾ ليستدل بها على القلة. وقال ابن قتيبة : أي : يسيرة، سهل عددها لقلتها، فلو كانت كثيرة لثقل عددها. وقال ابن عباس : كانوا في ذلك الزمان لا يزنون أقل من أربعين درهما، وقيل : إنما لم يزنوها لزهدهم فيه.
وفي عدد تلك الدراهم خمسة أقوال :
أحدها : عشرون درهما، قاله ابن مسعود، وابن عباس في رواية، وعكرمة في رواية، ونوف الشامي، ووهب بن منبه، والشعبي، وعطية، والسدي، ومقاتل في آخرين.
والثاني : عشرون درهما وحلة، ونعلان، روي عن ابن عباس أيضا.
والثالث : اثنان وعشرون درهما، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال مجاهد.
والرابع : أربعون درهما، قاله عكرمة في رواية، وابن إسحاق.
والخامس : ثلاثون درهما، ونعلان، وحلة، وكانوا قالوا له بالعبرانية : إما أن تقر لنا بالعبودية، وإما أن نأخذك منهم فنقتلك، قال : بل أقر لكم بالعبودية، ذكره إسحاق ابن بشر عن بعض أشياخه.
قال المفسرون : اقتسموا ثمنه، فاشتروا به نعالا وخفافا.
وكان بعض الصالحين يقول : والله ما يوسف - وإن باعه أعداؤه - بأعجب منك في بيعك نفسك بشهوة ساعة من معاصيك.
قوله تعالى :﴿وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزاهِدِينَ﴾ الزهد : قلة الرغبة في الشيء.
وفي المشار إليهم قولان : أحدهما : أنهم إخوته، قاله ابن عباس ؛ فعلى هذا، في هاء " فيه " قولان :
أحدهما : أنها ترجع إلى يوسف، لأنهم لم يعلموا مكانه من الله تعالى، قاله الضحاك، وابن جريج. والثاني : أنها ترجع إلى الثمن. وفي علة زهدهم قولان : أحدهما : رداءته. والثاني : أنهم قصدوا بعد يوسف، لا الثمن.
والثاني : أنهم السيارة الذين اشتروه.
وفي علة زهدهم ثلاثة أقوال. أحدها : أنهم ارتابوا لقلة ثمنه. والثاني : أن إخوته وصفوه عندهم بالخيانة والإباق. والثالث : أنهم علموا أنه حر.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى