البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
وقرأ الجمهور : من قبل، ومن دبر، بضم الباء فيهما والتنوين.
وقرأ الحسن وأبو عمر، وفي رواية : بتسكينها وبالتنوين، وهي لغة الحجاز وأسد.
وقرأ ابن يعمر، وابن أبي إسحاق، والعطاردي، وأبو الزناد، ونوح القارئ، والجارود بن أبي سبرة بخلاف عنه : من قبل، ومن دبر، بثلاث ضمات.
وقرأ ابن يعمر، وابن أبي إسحاق، والجارود أيضاً في رواية عنهم : بإسكان الباء مع بنائهما على الضم، جعلوها غاية نحو : من قبل.
ومعنى الغاية أن يصير المضاف غاية نفسه بعدما كان المضاف إليه غايته، والأصل إعرابهما لأنهما إسمان متمكنان، وليسا بظرفين.
وقال أبو حاتم : وهذا رديء في العربية، وإنما يقع هذا البناء في الظروف.
وقال الزمخشري : والمعنى من قبل القميص ومن دبره، وأما التنكير فمعناه من جهة يقال لها : قبل، ومن جهة يقال لها : دبر.
وعن ابن أبي إسحاق : أنه قرأ من قبل ومن دبر بالفتح، كان جعلهما علمين للجهتين، فمنعهما الصرف للعلمية والتأنيث.
وقال أيضاً :( فإن قلت ) : إن دل قد قميصه من دبر على أنها كاذبة وأنها هي التي تبعته واجتذبت ثوبه إليها فقدّته، فمن أين دل قدّه من قبل على أنها صادقة، وأنه كان تابعها ؟ ( قلت ) : من وجهين : أحدهما : أنه إذا كان تابعها وهي دافعة عن نفسها فقدت قميصه من قدامه بالدفع.
والثاني : أن يسرع خلفها ليلحقها، فيتعثر في قدام قميصه فيشقه انتهى.
وقوله : وهو من الكاذبين، وهو من الصادقين، جملتان مؤكدتان لأنّ من قوله : فصدقت، يعلم كذبه.
ومن قوله : فكذبت، يعلم صدقه.
وفي بناء قد للمفعول ستر على من قده، ولما كان الشاهد من أهلها راعي جهة المرأة فبدأ بتعليق صدقها على تبين كون القميص قد من قبل، ولما كانت كل جملة مستقلة بنفسها أبرز إسم كان بلفظ المظهر، ولم يضمر ليدل على الاستقلال، ولكون التصريح به أوضح.
وهو نظير قوله :«من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعص الله ورسوله فقد غوى »

تفسير هذه الآية من كتب أخرى