زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٢٦:﴿هي راودتني﴾ : وقال وهب بن منبه : قال له العزيز حينئذ : أخنتني يا يوسف في أهلي، وغدرت بي، وغررتني بما كنت أرى من صلاحك ؟ فقال حينئذ :﴿هي راودتني عَن نفسي﴾.
قوله تعالى :﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّنْ أَهْلِهَا﴾ وذلك أنه لما تعارض قولاهما، احتاجا إلى شاهد يعلم به قول الصادق.

وفي ذلك الشاهد ثلاثة أقوال :

أحدها : أنه كان صبيا في المهد، رواه عكرمة عن ابن عباس، وشهر بن حوشب عن أبي هريرة، وبه قال سعيد بن جبير، والضحاك، وهلال بن يساف في آخرين.
والثاني : أنه كان من خاصة الملك، رواه ابن أبي مليكة عن ابن عباس.
وقال أبو صالح عن ابن عباس : كان ابن عم لها، وكان رجلا حكيما، فقال : قد سمعنا الاشتداد والجلبة من وراء الباب، فإن كان شق القميص من قدامه فأنت صادقة وهو كاذب، وإن كان من خلفه فهو صادق وأنت كاذبة. وقال بعضهم : كان ابن خالة المرأة.
والثالث : أنه شق القميص، رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد، وفيه ضعف، لقوله :﴿من أهلها﴾.
فإن قيل : كيف وقعت شهادة الشاهد هاهنا معلقة بشرط، والشارط غير عالم بما يشرطه ؟.

فعنه جوابان ذكرهما ابن الأنباري :

أحدهما : أن الشاهد شاهد بأمر قد علمه، فكأنه سمع بعض كلام يوسف وأزليخا، فعلم، غير أنه أوقع في شهادته شرطا ليلزم المخاطبين قبول شهادته من جهة العقل والتمييز، فكأنه قال : هو الصادق عندي، فإن تدبرتم ما اشترطه لكم، عقلتم قولي. ومثل هذا قول الحكماء : إن كان القدر حقا، فالحرص باطل، وإن كان الموت يقينا، فالطمأنينة إلى الدنيا حمق.
والجواب الثاني : أن الشاهد لم يقطع بالقول، ولم يعلم حقيقة ما جرى، وإنما قال ما قال على جهة إظهار ما يسنح له من الرأي، فكان معنى قوله :﴿وشهد شاهد﴾ : أعلم وبين. فقال : الذي عندي من الرأي أن نقيس القميص ليوقف على الخائن فهذان الجوابان يدلان على أن المتكلم رجل. فإن قلنا : إنه صبي في المهد، كان دخول الشرط مصححا لبراءة يوسف، لأن كلام مثله أعجوبة ومعجزة لا يبقى معها شك.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى