اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَقَالَ الملك إني أرى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ﴾ الآية.
اعلم أنَّه تعالى عزَّ وجلَّ إذا أرادَ شيئاً، هيّأ أسبابه، ولما دنا فرجُ يوسف عليه الصلاة والسلام رأى ملكُ مصر في النوم سبع بقراتٍ سمانٍ خرجن من نهرٍ يابسٍ، ثم خرج عَقِيبَهُنَّ سبعُ بقراتٍ عجافٍ في غايةِ الهُزال، فابتلعتِ العجافُ السِّمان، ورأى سبعَ سُنبلاتٍ خُضرٍ، قد انعقد حبُّها، وسبعاً أخر يابساتٍ، قد استحصدت، فالتوتِ اليابساُ على الخضرِ حتَّى غلبْنَ عليها، فلم يبق من خضرتها شيءٌ ؛ فجمع الكهنة، والسَّحرة، والنجامة، والمُعبِّرين، وقصَّ عليهم رؤياه ؛ وهو قوله ﴿ياأيها الملأ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ قالوا أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ﴾، أخلاط أحلامٍ مُشْتبهَةٌ أهاويلُ.

فصل


قال عليٌّ بنُ أبي طالب كرم الله وجهه :" المعز والبقر إذا دخلت المدينة، فإن كانت سماناً، فهي سِني رخاءٍ، وإن كانت عجافاً، كانت شداداً، وإن كانت المدينة مدينة بحرٍ، وأبَّان سفرٍ، قدمت سفنٌ على عددها، وحالها ؛ وإلاَّ كانت فتناً مترادفةً كأنها وجوهُ البقر يشبه بعضها بعضاً ؛ كما قال عليه الصلاة والسلام في الفتنِ :" كأنَّها صَياصِيُّ البقَرِ " ؛ لتشابهها، إلاَّ أن تكون صفراً كلَّها، فإنَّها أمراضٌ تدخل على النَّاس، وإن كانت مختلفة الألوان شنيعة القرون، كان الناسُ ينفرون منها، أو كان النارُ والدخانُ يخرج من أفواهها ؛ فإنها عسكر، أو غارة أو عدوّ، يضرب عليهم، وينزلُ بساحتهم، وقد تدلُّ البقرة على الزَّوجة، والخادم، والغلَّة والسَّنة : لما يكونُ فهيا من الغلَّةِ، والولدِ، والنباتٍ ".
قوله :" سِمَانٍ "، صفةٌ ل " بَقَراتٍ "، وهو جمعُ سمينةٍ، ويجمع " سَمِين " أيضاً عليه يقال : رجالٌ سمانٌ ونساءُ سمان ؛ كما يقال : رجالُ كرامٌ ونساءٌ كرامٌ، و " السِّمن " : مصدر سَمِنَ يَسْمَنُ فهو سَمِينٌ، فالاسمُ والمصدر، جاءا على غير قاسٍ ؛ إذا قياسهما " سَمَن " بفتح الميم فهو سَمِن بسكرها ؛ نحو فَرِحَ فرحاً فهو فرح.
قال الزمخشريُّ :" فإن قلتَ : هل من فوقٍ بين إيقاع سمانٍ صفة للتمييز : وهو بقراتٍ دون المُميَّزِ : سَبْعَ بقرات سماناً ؟ قلتُ : إذا أوقعتها صفة ل " بقَراتٍ "، فقد قصدت إلى أن تميِّز السبع بنوعٍ من البقرات، وهو السِّمان منهم، لا بِجِنْسهِنَّ، ولو وصفت السبع بها، لقصدت إلى تمييز السبع بجنس البقراتِ لا بنوع منها، ثم رجعت فوصفت المُميَّز بالجنس بالسمن.
فإن قلت : هلا قيل :" سبع عجافٍ " على الإضافة.
قلت : التمييز موضوع الجنسِ، والعجافُ وصفٌ لا يقع البيان به وحده، فإن قلت : فقد يقولون : ثلاثة فرسانٍ، وخمسة أصحابٍ، لبيانِ ؛ قلتُ : الفارسُ، والصاحبُ، والرَّاكب، ونحوها صفاتٌ جرت مجرى الأسماءِ ؛ فأخذت حكمها، وجاز فيها ما لم يجز في غيرها، ألا تراك ألا تقول : عندي ثلاثةً ضخامٌ ولا أربعةٌ غلاظٌ.
فإن قلت : ذلك مما يشكل، وما نحنُ بسبيله لا إشكال فيه، ألا ترى أنه لم يقل : وبقرات سبع عجاف ؛ لوقوع العلم بأن المراد البقرات قلت : ترك الأصل لا يجوز مع وقوع الاستغناء عما ليس بأصل، وقد وقع الاستغناء عن قولك : سبع عجاف عمَّا تقترحهُ من التمييز بالوصف " انتهى.
وهي أسئلةٌ وأجوبةٌ حسنة، وتحقيق السؤال الأول وجوابه : أنه يلزمُ من وصفِ التَّمييز بشيء وصف المميز به، ولا يلزم من وصف المميز وصف التمييز بذلك الشيء ؛ بيانه : أنك إذا قلت :" عندي أربعة رجالٍ حسانٍ " بالجر، كان معناه : أربعةٌ من الرجال الحسانِ ؛ فيلزُم حسنُ الإربعةِ ؛ لأنهم بعض الرجالِ الحسانِ، وإذا قلت : عندي أربعة رجالٍ حسانٌ برفع حسان كان معناه : أربعةٌ من الرجال حسان، وليس فيه دلالة على وصف الرجال بالحسن.
وتحقيق الثاني وجوابه : أنَّ أسماء العدد لا تضافُ إلى الأوصاف إلا في ضرورة وإنما يجاء بها تابعة لأسماء [ العدد ] ؛ فيقال : عندي ثلاثةٌ قُرشيُّونَ، ولا يقال ثلاثة قرشيِّين بالإضافة إلا في شعرٍ، ثم أعترض بثلاثةٍ فرسانٍ، وأجاب بجريانِ ذلك مجرى الأسماء.
وتحقيقُ الثالث : أنه إنَّما امتنع " ثلاثةُ ضخامٍ " ونحوه ؛ لأنه لا يعلم موصوفه، بخلاف الآية الكريمة، فإنَّ الموصوف معلومٌ، ولذلك لم يصرخ به.
وأجاب عن ذلك : بأنَّ الأصل عدم إضافةِ العددِ إلى الصِّفة كما تقدم، فلا يترك هذا الأصل مع الاستغناء عنه بالفرع.
وبالجملةِ : ففي هذه العبارةِ قلقٌ، هذا مُلخَّصُهَا.
ولم يذكر أبو حيَّان نصه ولا اعترض عليه، بل لخًّص بعض معانيه، وتركهُ على إشكاله.

فصل في اشتقاق " عجاف "


جمعُ عجفاء : عِجَاف والقياس : عُجْف ؛ نحو : حَمْرَاء، وحُمْر ؛ حملاً له على سمانٍ ؛ لأنَّه نقيضُه، ومن دأبهم حملُ النظير على النظيرِ، والنَّقيضِ على النقيض، قاله الزمخشريُّ
والعَجَفُ : شدةُ الهزالِ الذي ليس بعده هزال ؛ قال :[ الكامل ]
٣١٠٦ عَمْرُو الَّذي هَشَمَ الشَّريدَ لقَوْمِهِورِجَالُ مَكَّة مُسْنِتُونَ عِجَافُ
قال الليث : العَجَفُ : ذهابُ السِّمن، والفِعْلُ : عجف يَعجفُ، والذَّكرُ : أعْجفُ، والأنثى : عَجْفاء، والجمع عِجَافٌ في الذكران والإناث.
وليس في كلام العربِ : أفْعَلُ، وفعلاء، وجمعها على : فِعَالٍ غَيْر أعْجفُ، وعِجَاف، هي شاذة حملوها على لفظ سمانٍ، وعجافٍ ؛ لأنهما نقيضان، ومن عادتهم حملُ النَّظيرِ على النظير، والنَّقيضِ على النَّقيضِ.
وقال الرَّاغب : هو من قولهم : نَصْلٌ أعجفُ، أي : رقيقٌ.
وعَجَفَتْ نفسي عن الطَّعام وعن فلانٍ : إذا نبت عنهما، وأعْجفَ الرَّجل أي : صارتْ [ إيله ] عِجَافاً.
" وأخَرَ يَابِساتٍ "، قوله :" وأخَرَ " نسقٌ على قوله " سَبْعَ " لا على " سُنْبُلاتٍ " ويكون قد حذف اسم العددِ، من قوله :" وأخَرَ يَابِساتٍ " والتقدير : سَبْعاً أخَرَ، وإنما حذف ؛ لأنَّ التقسيم في البقرات نقيضُ التَّقسيم في السنبلات.
قال الزمخشريُّ :" فإن قلت : هل في الآية دليلٌ على أنَّ السنبلات اليابسة كانت كالخُضرِ ؟ قلت : الكلامُ منبيٌّ على انصبابه إلى هذا العددِ في البقراتِ السِّمان والعجافِ، والسنبلات الخضرِ، فوجب أن يتناول معنى الأخر السبع، ويكون قوله :" وأخَرَ يَابسَاتٍ " بمعنى : وسبعاً أخر " انتهى.
وإنَّما لم يَجُز عطفُ أخر على التمييز، وهو " سُنْبُلاتٍ "، فيكون أخر مجروراً لا منصًوباً ؛ لأنه من حيثُ العطف عليه يكونُ من جملة مميز سبع ومن جهة كونه أخر يكون مبايناً لسبع فتدافعا ولو كان ترتيبُ الآية الكريمة سبع سُنبلآتٍ خُضرس ويابِساتٍ، لصحَّ العطف، ويكون من توزيع السنبلات إلى هذينِ الموضعين أعني : الاخضرار واليبس.
وقد أوضح الزمخشريُّ هذا حيث قال :" فإن قلتَ : هل يجوز أن يعطف قوله " وأخَرَ يَابسَاتٍ " على " سُنْبُلاتٍ خُضرٍ "، فيكون مجرور المحلِّ ؟ قلت : يؤدِّي إلى تدافع ؛ وهو أنَّ عطفها على " سُنبُلاتٍ خُضرٍ " يقتضي أن يكون داخلاً في حكمها فيكون معها مميز السبع المذكور، ولفظ " أخَر " يقتضي أن يكون غير السَّبْعِح بيانه تقول عنده سبعة رجال قيام وقعود بالجر فيصحّ لأنك ميَّزت السبعة برجالٍ موصوفين بالقيام والقعودِ على أنَّ بعضهم قيام، وبعضهم قعودٌ، فلو قلت : عنده سبعةٌ قيامٌ وآخرين قعودٌ ؛ تدافع ؛ ففسد ".
قوله للرُّؤيَا فيه أربعة أقوالٍ :
أحدهما : أن اللام فيه مزيدة، فلا تعلق لها بشيء ؛ وزيدت لتقدم المعمول مقوية للعامل ؛ كما زيدت فيه إذا كان العامل فرعاً ؛ كقوله تعالى :﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧]، ولا تزاد فيما عدا ذنبك إلا ضرورة ؛ كقوله :[ الوافر ]
٣١٠٧ فلمَّا أنْ تَوافَيْنَا قَلِيلاًأنَخْنَا للكَلاكِلِ فارْتَمَيْنَا
يريد : أنخنا الكلاكِلَ، فزيدت مع فقدان الشرطين، هكذا عبارة بعضهم يقول : إلا في ضرورة.
وبعضهم يقول : الأكثر ألاَّ تزاد، ويتحرزُ من قوله تعالى ﴿رَدِفَ لَكُم﴾ [النمل: ٧٢]، لأنَّ الأصل : ردفكُم، فزيدتْ فيه اللامُ، ولا تقدم، ولا فرعيَّة، ومن أطلق ذلك جعل الآية من باب التَّضمين، وسيأتي في مكانه إن شاء الله تعالى، وقد تقدم من ذلك طرفٌ جيدٌ.
الثاني : أن يضمَّن تعبرون معنى ما يتعدَّى باللام، تقديره أي : إن كنتم تنتدبون لعبارةِ الرؤيا.
الثالث : أن يكون " للرُّؤيا " خبرُ " كنتم " ؛ كما تقول :" كان فلانٌ لهذا الأمرِ "، أي : إذا استقلّ به متمكِّناً منه، وعلى هذا فيكون في " تَعْبرُونَ " وجهان :
أحدهما : أنًَّهُ خبر ثانٍ ل " كُنْتُمْ ".
الثاني : أنه حالٌ من الضمير المُرتفعِ بالجار ؛ لوقوعه خبراً.
الرابع : أن تتعلق اللام بمحذوفٍ على أنَّها للبيان ؛ كقوله تعالى ﴿وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزاهدين﴾ [يوسف: ٢٠] تقديره : أعني فيه، وكذلك هذا، تقديره : أعني للرُّؤيا، وعلى هذا يكون مفعولُ " تَعْبُرُونَ " محذوفاً تقديره : تعبرونها.
وقرأ أبو جعفر : الرُّيَّا [ وبابها الرؤيا ] بالإدغام ؛ وذلك أنَّه قلب الهمزة واواً ؛ لسكونها بعد ضمةٍ، فاجتمعت " واوٌ "، و " ياءٌ " وسبقت إحداهما بالسكون ؛ فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياءُِ في الياءِ.
وهذه القراءة عندهم ضعيفةٌ ؛ لأن البدل غير لازمٍ، فكأنَّه لم يوجد واوٌ ؛ نظراً إلى الهزة.

فصل في معنى " تعبرون "


يقال : عَبَرْتُ الرُّؤيَا أعبرها عبارة، وعبَرةً بالتخفيف، قال الزمخشريُّ :" وهو الذي اعتمدهُ الأثباتُ، ورأيتهم يُنْكِرُونَ " عَبَّرتُ " بالتشديد، والتَّعبير والمُعبِّر " قال : وقد عثرتُ على بيتٍ أشده المبرِّد في كتاب الكاملِ لبعضِ الأعرابِ :[ السريع ]
٣١٠٨ رَأيتُ رُؤيَا ثُمَّ عبَّرتُهَاوكُنْتُ للأحْلامِ عَبَّارَا
قال وحقيقة تعبير الرؤيا : ذكرُ عاقبتها، وآخر أمرها ؛ كما تقول : عبرتُ النَّهر إذا قطتعهُ حتَّى تبلغ آخرَ عرضه.
قال الأزهريُّ :" مأخوذٌ من العُبْرِ، وهو جانبُ النَّهر، ومعنى عبرتُ النَّهرَ والطريق : قطعتهُ إلى الجانب الآخر، فقيل لعابرِ الرؤيا : عابرٌ ؛ لأنَّه يتأمل جانبي الرُّؤيا، ويتفكرُ في أطرافها وينتقل من أحد الطَّرفين إلى الآخر ".
قال بعضُ أهل اللغة : العينُ، والباءُ، والراءُ، تضعها العرب : لجوار الشيء، ومضيفه، وقلَّة تمكنه، ولبثه، وهو فعل، يقال : عبر الرؤيا : أخرجها من حال النَّوم إلى حال اليقظةِ، كعبور البحر من جانب إلى جانبٍ.
وناقة عبراء سفار، أي : يقطعُ بها الطريق ويعبرُ.
والشِّعرى : العبُورُ ؛ لأنها عبرت المجرَّة.
والاعتبارُ بالشيء : هو التَّمثيلُ بينه وبين حاكيه.
والعبرةُ : الدَّمعةٌ ؛ لعبورها العين، وخروجها من الجفنِ.
والعَنْبَرُ : منهح لأنَّ نونه زائدةٌ، وهو عبر لحي طفاوة على الماء لا يعرف معدته.
والعَنْبَرُ أيضاً سمكةٌ في البحرِ، والعنبرُ : اسمُ قبيلة، والعنبرُ : شدَّة الشتاء.
قال بعضهم : ثلاثةُ أشياء لا يعرف معدنها :
أحدها : العَنْبَرُ يجيءُ ظفاؤه على وجه الماءِ.
وثانيها :

تفسير هذه الآية من كتب أخرى