الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿يُغَاثُ النَّاسُ﴾ : يجوز أن تكون الألف عن واو، وأن تكون عن ياء : إمَّا مِن الغَوْث وهو الفَرَج، وفعلُه رباعيٌّ يُقال : أغاثَنا اللَّه، مِن الغَوْث، وإمَّا مِن الغَيْث وهو المطرُ يُقال :" غِيْثَتِ البلاد "، أي : مُطِرَتْ، وفعلُه ثلاثي يقال : غاثنا اللَّه مِن الغَيْث. وقالت أعرابية :" غِثْنا ما شِئْنا "، أي : مُطِرْنا ما أَرَدْنا ".
قوله :﴿يَعْصِرُونَ﴾ قرأ الأخوان " تَعْصِرون " بالخطاب، والباقون بياء الغيبة، وهما واضحتان، لتقدُّم مخاطبٍ وغائب، فكلُّ قراءةٍ تَرْجِعُ إلى ما يليق به. و " يَعْصِرون " يحتمل أوجهاً، أظهرُها : أنه مِنْ عَصَرَ العِنَبَ أو الزيتون أو نحو ذلك. والثاني : أنه مِنْ عَصَر الضَّرْع إذا حَلَبَه. والثالث : أنه من العُصْرة وهي النجاة، والعَصَر : المَنْجى. وقال أبو زبيد في عثمان رضي اللَّه عنه :
٢٨٠٠ صادِياً يَسْتغيث غيرَ مُغَاثٍولقد كان عُصْرَة المَنْجودِ
ويَعْضُد هذا الوجهَ مطابقةُ قولِه ﴿فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ﴾ يُقال : عَصَره يَعْصِرُه، أي : أنجاه.
وقرأ جعفر بن محمد والأعرج :" يُعْصَرون " بالياء من تحت، وعيسى البصرة بالتاء من فوق، وهو في كلتا القراءتين مبنيٌّ للمفعول. وفي هاتين القراءتين تأويلان، أحدهما : أنها مِنْ عَصَره، إذا أنجاه، قال الزمخشري :" وهو مطابِقٌ للإِغاثة ". والثاني : قاله قطرب أنها من الإِعصار، وهو إمطار السحابة الماءَ كقولِه :﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾
[النبأ: ١٤]. قال الزمخشري :" وقرىء " يُعْصَرون " : يُمْطَرون مِنْ أَعْصَرَتِ السَّحابة، وفيه وجهان : إمَّا أن يُضَمَّن أَعْصَرت معنى مُطِرَتْ فيُعَدَّى تعديتَه، وإمَّا أن يقال : الأصل : أُعْصِرَتْ عليهم فَحَذَفَ الجارَّ وأوصل الفعلَ [ إلى ضميرهم، أو يُسْنَدُ الإِعصارُ إليهم مجازاً فجُعِلوا مُعْصَرين " ].
وقرأ زيد بن علي :" تِعِصِّرون " بكسر التاء والعين والصادِ مشددَّة، وأصلها تَعْتصرون فأدغم التاء في الصاد، وأتبع العينَ للصاد، ثم أتبع التاء للعين، وتقدَّم تحريره في ﴿أَمَّن لاَّ يَهِدِّي﴾ [يونس: ٣٥].
ونقل النقاش قراءةَ " يُعَصِّرون " بضم الياء وفتح العين وكسر الصادِ مشددةً مِنْ " عَصَّر " للتكثير. وهذه القراءةُ وقراءةُ زيدٍ المتقدمة تحتملان أن يكونا مِن العَصْر للنبات أو الضرع، أو النجاة كقول الآخر :
٢٨٠١ لو بغيرِ الماءِ حَلْقي شَرِقٌكنت كالغَصَّانِ بالماءِ اعتصاري
أي : نجاتي.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى