غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
أخبر أنه يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس من الغوث، أو من الغيث يقال : غيثت البلاد إذا مطرت ﴿وفيه يعصرون﴾ العنب والزيتون والسمسم. وقيل : يحلبون الضروع، تأويل البقرات السمان والسنبلات الخضر بسنين مخاصيب والعجاف واليابسات بالسنين، ثم بشرهم بالبركة في العام الثامن. فقال المفسرون : إنه قد عرف ذلك بالوحي. عن قتادة : زاده الله علم سنة. وقيل : عرف استدلالاً فليس بعد انتهاء الجدب، إلا الخصب. والجواب أنه لا يلزم من انتهاء الجدب الخصب والخير الكثير فقد يكون توسط الحال. وأيضاً في قوله :﴿وفيه يعصرون﴾ نوع تفصيل لا يعرف إلا بالوحي.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل : لما أدخل يوسف القلب سجن الشريعة دخل معه غلامان لملك الروح هما النفس والبدن، فإن الروح العلوي لا يعمل عملاً في السفل الدنيوي إلا من مشرب النفس فهي صاحب شرابه. والبدن يهيء من الأعمال الصالحة ما يصلح لغذاء الروح، فإن الروح لا يبقى إلا بغذاء روحاني كما أن الجسم لا يبقى إلا بغذاء جسماني. وإنما حبسا في سجن الشريعة لأنهما متهمان بجعل سم الهوى والمعصية في شراب ملك الروح وطعامه، وفي رؤياهما دلالة على أنهما من الدنيا، وأهل الدنيا نيام فإذا ماتوا انتبهوا ﴿إنا نراك من المحسنين﴾ الذين يعبدون الله عياناً وشهوداً ﴿إني تركت ملة قوم﴾ فيه إشارة إلى أن القلب مهما ترك ملة النفس والهوى والطبيعة علمه الله علم الحقيقة ﴿أما أحدكما فيسقي ربه﴾ أي سيده بأقداح المعاملات والمجاهدات شراب الكشوف والمشاهدات وهي باقية في خدمة ملك الروح أبداً ﴿وأما الآخر﴾ وهو البدن ﴿فيصلب﴾ بنخيل الموت ﴿فيأكل﴾ طير أعوان ملك الموت من رأسه الخيالات الفاسدة ﴿قضي﴾ في الأزل هذا ﴿الأمر﴾ ﴿اذكرني عند ربك﴾ يعني أن القلب المسجون في بدء أمره يلهم النفس بأن تذكره المعاملات المستحسنة الشرعية عند الروح ليتقوى بها الروح وينتبه عن نوم الغفلة الناشئة من الحواس الخمس ويسعى في استخلاص القلب عن أثر الصفات البشرية بالمعاملات الروحانية مستمداً من الألطاف الربانية. ثم إن الشيطان بوساوسه محا عن النفس أثر إلهامات القلب، أو الشيطان أنسى القلب ذكر الله حين استغاث النفس لتذكره عند الروح، ولو استغاث بالله لخلصه في الحال ﴿فلبث في السجن بضع سنين﴾ إشارة إلى الصفات البشرية السبع التي بها القلب محبوس وهي : الحرص والبخل والشهوة والحسد والعداوة والغضب والكبر ﴿إني أرى سبع بقرات سمان﴾ هن الصفات المذكورة ﴿يأكلهن سبع عجاف﴾ هن أضدادها وهي : القناعة والسخاوة والعفة والغبطة والشفقة والحلم والتواضع ﴿يا أيها الملأ﴾ يعني الأعضاء والجوارح والحواس والقوى ﴿أفتوني﴾ فيما رأيت في غيب الملكوت ﴿وما نحن بتأويل الأحلام﴾ أي ليس التصرف في الملكوت وشواهدها من شأننا ﴿فأرسلون﴾ فيه أن النفس إذا أرادت أن تعلم شيئاً مما يجري في الملكوت ترجع بقوة التفكر إلى القلب فتستخبر عنه، فالقلب ترجمان بين الروحانيات والنفس فيما يفهم من لسان الغيب ﴿أيها الصديق﴾ لأنه مصدق فيما يرى من شواهد الحق، ويصدق فيما يروي للخلق ﴿ما كذب الفؤاد ما رأى﴾ [النجم: ١١] " حدثني قلبي عن ربي " قال في الكشاف : أرجع إلى الناس أي إلى الأجزاء الإنسانية ﴿تزرعون سبع سنين﴾ إشارة إلى تربية الصفات البشرية السبع بالعادة والطبيعة في أوان الطفولية ﴿فذروه في سنبله﴾ أي ما حصلتم من هذه الصفات فذروه في أماكنه ولا تستعملوه ﴿إلا قليلاً﴾ مما تعيشون به إلى أوان البلوغ وظهور نور العقل في مصباح السر في زجاجة القلب كأنه كوكب دري. ثم إذا أيد نور العقل بأنوار تكاليف الشرع وشرف بإلهام الحق في إظهار فجور النفس وتقواها فيزكيها عن هذه الصفات ويجليها بالصفات الروحانية السبع، فكأن السبع العجاف أكلن السبع السمان. وإنما سمى ما هو من عالم الأرواح عجافاً للطافتها، وما هو من عالم الأجسام سماناً لكثافتها كثيراً إلا قليلاً مما يحسن به الإنسان حياة قالبه ﴿ثم يأتي من بعد ذلك عام﴾ أي بعد غلبات الصفات الروحانية واضمحلال الصفات البشرية يظهر مقام فيه يتدارك السالك جذبات العناية، وفيه يبرأ العبد من معاملاته وينجو من حبس وجوده وحجب أنانيته. ولما أخبر القلب بنور الله رآه الروح في عالم الملكوت وتأوله استحق قرب الروح وصحبته فاستدعى حضوره على لسان رسول النفس فرده إليه وقال سله ﴿ما بال النسوة﴾ لأن الأوصاف الإنسانية لما رأين جمال القلب المنور بنور الله ﴿قطعن أيديهن﴾ من ملاذ الدنيا وشهواتها وآثرن السعادة الأخروية على الشهوات الفانية ﴿ليعلم أني لم أخنه بالغيب﴾ أي القلب المنظور بنظر العناية لما غاب عن حضرة الروح لاشتغاله بتربية النفس والقالب ما خانه بالالتفات إلى الدنيا ونعيمها ﴿وأن الله لا يهدي كيد الخائنين﴾ الذين يبيعون الدين بالدنيا. ثم قال إظهاراً للعجز عن نفسه وللفضل من ربه ﴿وما أبرىء نفسي إن النفس﴾ جبلت على الأمارية، ولكن إذا رحمها ربها يقلبها ويغيرها فإذا تنفس صبح الهداية صارت لوامة نادمة على فعلها، والندم توبة وإذا طلعت شمس العناية وصارت ملهمة ﴿فألهمها فجورها وتقواها﴾
[الشمس: ٨] وإذا بلغت شمس العناية وسط سماء الهداية أشرقت الأرض بنور ربها وصارت النفس مطمئنة مستعدة لجذبة ﴿ارجعي إلى ربك راضية مرضية﴾[الفجر: ٢٨] ﴿إن ربي غفور﴾ لنفس تابت ورجعت إليه ﴿رحيم﴾ لمن أحسن طاعته وعبادته والله حسبنا ونعم الوكيل.
[الشمس: ٨] وإذا بلغت شمس العناية وسط سماء الهداية أشرقت الأرض بنور ربها وصارت النفس مطمئنة مستعدة لجذبة ﴿ارجعي إلى ربك راضية مرضية﴾[الفجر: ٢٨] ﴿إن ربي غفور﴾ لنفس تابت ورجعت إليه ﴿رحيم﴾ لمن أحسن طاعته وعبادته والله حسبنا ونعم الوكيل.