زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿ثُمَّ يأتي مِن بَعْدِ ذلِكَ عَامٌ﴾ إن قيل : لم أشار إلى السنين وهي مؤنثة ب " ذلك " ؟
فعنه جوابان ذكرهما ابن القاسم :
أحدهما : أن السبع مؤنثة، ولا علامة للتأنيث في لفظها، فأشبهت المذكر، كقوله :﴿السَّمَاء مُنفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨] فذكر منفطرا لما لم يكن في السماء علم التأنيث، قال الشاعر :
فلا مزنة ودقت ودقهاولا أرض أبقل إبقالها
فذكر " أبقل " لما وصفنا.
والثاني : أن " ذلك " إشارة إلى الجدب، وهذا قول مقاتل، والأول قول الكلبي. قال قتادة : زاده الله علم عام لم يسألوه عنه.
قوله تعالى :﴿فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ﴾ فيه قولان :
أحدهما : يصيبهم الغيث، قاله ابن عباس. والثاني : يغاثون بالخصب. ذكره الماوردي.
قوله تعالى :﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم :" يعصرون " بالياء. وقرأ حمزة، والكسائي بالتاء، فوجها الخطاب إلى المستفتين.
وفي قوله :﴿يعصرون﴾ خمسة أقوال :
أحدها : يعصرون العنب والزيت والثمرات، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال قتادة، والجمهور.
والثاني :" يعصرون " بمعنى يحتلبون، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. وروى ابن الأنباري عن أبيه عن أحمد بن عبيد قال : تفسير " يعصرون " يحتلبون الألبان لسعة خيرهم واتساع خصبهم، واحتج بقول الشاعر :
فما عصمة الأعراب إن لم يكن لهمطعام ولا در من المال يعصر
أي : يحلب.
والثالث : ينجون، وهو من العصر، والعصر : النجاء، والعصرة : المنجاة. ويقال : فلان في عصرة : إذا كان في حصن لا يقدر عليه، قال الشاعر :
صاديا يستغيث غير مغاثولقد كان عصرة المنجود
أي : غياثا للمغلوب المقهور، وقال عدي :
لو بغير الماء حلقي شرقكنت كالغصان بالماء اعتصاري
هذا قول أبي عبيدة.
والرابع : يصيبون ما يحبون، روي عن أبي عبيدة أيضا أنه قال : المعتصر : الذي يصيب الشيء ويأخذه، ومنه هذه الآية. ومنه قول ابن أحمر :
فإنما العيش بريانهوأنت من أفنانه معتصر
والخامس : يعطون ويفضلون لسعة عيشهم، رواه ابن الأنباري عن بعض أهل اللغة. وقرأ سعيد بن جبير :" يعصرون " بضم الياء وفتح الصاد. وقال الزجاج : أراد : يمطرون من قوله :﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاء ثَجَّاجاً﴾ [النبأ: ١٤].

تفسير هذه الآية من كتب أخرى