تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي } تقول المرأة : ولست أبرئ نفسي، فإن النفس تتحدث(١) وتتمنى ؛ ولهذا راودته لأنها أمارة بالسوء، ﴿إِلا مَا(٢) رَحِمَ رَبِّي﴾ أي : إلا من عصمه الله تعالى، ﴿إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣).
وهذا القول هو الأشهر والأليق والأنسب بسياق القصة ومعاني الكلام. وقد حكاه الماوردي في تفسيره، وانتدب لنصره الإمام العلامة أبو العباس ابن تَيميَّة، رحمه الله، فأفرده بتصنيف على حدة(٤) وقد قيل : إن ذلك من كلام يوسف، عليه السلام، من قوله :﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ﴾ في زوجته ﴿بِالْغَيْبِ﴾ الآيتين أي : إنما رَدَدْتُ الرسول ليعلم الملك براءتي وليعلم العزيز ﴿أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ﴾ في زوجته ﴿بِالْغَيْبِ﴾ ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [ الآية ](٥) وهذا القول هو الذي لم يحك ابن جرير ولا ابن أبي حاتم سواه.
وقال ابن جرير : حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا وَكِيع، عن إسرائيل، عن سِمَاك، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس قال : لما جمع الملك النسوة فسألهن : هل راودتن يوسف عن نفسه ؟ ﴿قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ قَالَ يُوسُفُ ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ [ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ ]﴾ (٦) قال : فقال له جبريل، عليه السلام : ولا يوم هممت بما هممت به. فقال :﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾(٧) وهكذا قال مجاهد، وسعيد بن جُبَيْر، وعكرمة، وابن أبي الهُذَيل، والضحاك، والحسن، وقتادة، والسُّدي. والقول الأول أقوى وأظهر ؛ لأن سياق الكلام كله من كلام امرأة العزيز بحضرة الملك، ولم يكن يوسف، عليه السلام، عندهم، بل بعد ذلك أحضره الملك.
١ - في ت، أ :"تحدث"..
٢ - في ت أ :"عن" وهو خطأ..
٣ - في ت :"لغفور" وهو خطأ..
٤ - انظر : مجموع الفتاوى لابن تيمية (١٠/٢٩٨)..
٥ - زيادة من ت، أ..
٦ - زيادة من ت، أ..
٧ - تفسير الطبري (١٦/١٤٣)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى