نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي

عن الكتاب
فكأنه قيل : فما قالوا ؟ فقيل :﴿قالوا سنراود﴾ أي بوعد لا خلف فيه حين نصل(١) ﴿عنه أباه﴾ أي نكلمه فيه وننازعه الكلام ونحتال(٢) عليه(٣) فيه، ونتلطف في ذلك، ولا ندع جهداً ؛ ثم أكدوا ذلك - بعد الجملة الفعلية المصدرة(٤) بالسين - بالجملة الاسمية المؤكدة بحرفي التأكيد، فقالوا :﴿وإنا لفاعلون﴾ أي ما أمرتنا به والتزامناه، وقد مضى عند ﴿وراودته﴾ أن المادة - يائية وواوية بهمز وبغير همز - تدور على الدوران، ومن لوازمه القصد والإقبال والإدبار والرفق والمهلة، وقد مضى بيان غير المهموز، وأما المهموز فمنه درأه(٥)، أي دفعه - لأن المدفوع يرد إلى الموضع الذي أتى منه، والمدارأة(٦) : المدافعة والمنازعة مطلقاً، أي سواء كانت برفق أو بعنف، ثم كثرت فقصرت على الملاينة، ويلزم من الدفع حلول المدفوع في موضع لا يريده بغتة، ومنه : درأ علينا، أي خرج مفاجأة، قال(٧) القزاز : وأصله من قولهم : جاء السيل درأ، أي يدرأ(٨) بعضه بعضاً، وهو الذي يأتي من مكان لا يعلم به، واندرأ فلان علينا بالشر - إذا أتى به من حيث لم ندر، والدرء : النشوز(٩)، وهو من الدفع، وكوكب دريء : متوقد متلألىء - كان نوره يدفع بعضه بعضاً، ومنه درأت النار : أضاءت، واندرأ الحريق : انتشر، ودرأ الشيء : بسطه - لأن المبسوط لا يخلو عن دفع، وتدارؤوا(١٠) : تدافعوا في الخصومة.
ودرأ البعير : أغد(١١)، ومع الغدة ورم(١٢) في ظهره، وناقة دارىء : مغدة، وذلك لأن الغدة ملزومة(١٣) للدفع، لا تنفك عنه بالقتب(١٤) والركب(١٥) وغيرهما، وكل ناتىء في الجسد هذا شأنه، ومنه الدرء : لقطعة(١٦) من(١٧) الجبل مشرقة(١٨)، وناقة مدرىء : أنزلت اللبن وأرخت ضرعها عند النتاج - كأنها دفعتهما، وادرأت(١٩) الصيد - على " افتعلت " : اتخذت له دريئة، وقد تقدمت " الدرية " في الواوي، ومنه : ادرأت فلاناً - إذا اعتمدته، والدرء :(٢٠) الميل والعوج - لأنه أهل لأن يدفع ليقوم، وطريق ذو دروء(٢١)، أي كور(٢٢) وأخاقيق أي شقوق - فكأنها تدفع صاحبها عن القصد، وتدرؤوا عليهم : تطاولوا - لأن ذلك لا يخلو عن مدافعة كالنشوز(٢٣)، ويلزم الدفع القوة، ومنه رجل ذو تدرإ، أي منعة(٢٤) وقوة، ورادته(٢٥) بكذا - بتقديم الراء : جعلته قوة له وعماداً يدافع عنه، و(٢٦) الردء : العون(٢٧) والمادة والعدل الثقيل - لأنه يدافع(٢٨) ليعتدل، وردأ الحائط : دعمه، وردأه بحجر : رماه به(٢٩)، لأنه إذا أصابه دفعه، والإبل : أحسن القيام عليها(٣٠)، لأن ذلك لا يكون إلا بمدافعة، وأردأ(٣١) الستر : أرخاه، بدفعه له من المكان الذي كان به، وأردأ(٣٢) الولد : سكنه وأنسه، فدفع(٣٣) الهم عنه، وأردأ الشيء : أقره - كأنه لسلب الدفع، وكذا أردأه(٣٤) أي أفسده، إما بأنه لم يدافعه بإحسان القيام عليه(٣٥) فأفسده، أو أنه زاد في الدفع حتى فسد، ومن ذلك أردأ - إذا فعل رديئاً، أي فعلا فاسداً ليس بجيد، وكأن من(٣٦) ذلك الأدرة - بالضم ساكنة وتحرك - وهي عظم الخصيتين في الناس والخيل ؛ و(٣٧) من التدافع : ترأدت الحية : اهتزت في انسيابها(٣٨) ورفعت رأسها، والريح : اضطربت - فكأن بعضها يدفع بعضاً، ومنه رأد(٣٩) الضحى : ارتفاعه، وترأد الضحى : ارتفع، وكذلك الجارية الرأدة والرؤد - بالضم(٤٠)، أي الناعمة، وقال القزاز : السريعة الشباب مع حسن غذاء(٤١)، وقال ابن دريد : جارية رأدة - غير مهموز : كثيرة(٤٢) المجيء والذهاب، فإذا قلت : جارية رؤدة(٤٣) فهي الناعمة.
فإذا فسرت بالذهاب والمجيء فهو من الدوران الذي هو المدار، وإذا فسرت بالناعمة فهو من الاضطراب اللازم له(٤٤)، وغصن رؤد - بالضم : رطب - من ذلك، قال القزاز : وأحسب الجارية الناعمة إنما سميت رؤداً من هذا، وترأد : اهتز نعمة، وزيد : قام فأخذته(٤٥) رعدة، والغصن : تفيأ، والعنق : التوى - كله من الدوران وما يلزمه من الاضطراب، ورئد الإنسان : صديقه، لأنه يراوده ويداوره، والرأدة(٤٦) : أصل اللحى، وهو أصول منبت الأسنان، وهو العظم الذي يدور فيه طرفا اللحيين مما يلي الصدغين ؛ ومن الرفق والمهلة : الرؤدة - بالضم، وهي التؤدة(٤٧).
١ في ظ: يصل..
٢ في م: يحتال..
٣ سقط من ظ و م..
٤ من ظ و م ومد، وفي الأصل: المصدرية..
٥ في ظ: داره..
٦ زيد من م ومد..
٧ من م، وفي الأصل و ظ ومد: فإن..
٨ من م ومد، وفي الأصل و ظ: يدار- كذا..
٩ من ظ و م ومد والتاج، وفي الأصل: النشور..
١٠ من م ومد والقاموس، وفي الأصل و ظ: تدارا..
١١ في ظ: أعد..
١٢ من م والقاموس، وفي الأصل و ظ ومد: ودم..
١٣ من ظ و م ومد، وفي الأصل: ملزوم..
١٤ من م ومد، وفي الأصل: بالعتب، وفي ظ: بالتعب..
١٥ في م ومد: الراكب..
١٦ من م، وفي الأصل و ظ ومد: القطعة..
١٧ في م ومد: في..
١٨ في م: مشرقة..
١٩ من م واللسان، وفي الأصل و ظ ومد والقاموس: ادارأت- كذا..
٢٠ زد ما بين الحاجزين من م..
٢١ في ظ: درء..
٢٢ في الأصول: كسور، ومبنى التصحيح على التاج..
٢٣ من م ومد، وفي الأصل و ظ: كالنشور..
٢٤ من م والتاج، وفي الأصل و ظ ومد: منعه..
٢٥ من م ومد، وفي الأصل: دارته، وفي ظ: دراثة- كذا..
٢٦ من م ومد والقاموس، وفي الأصل و ظ: الرد العود..
٢٧ من م ومد والقاموس، وفي الأصل و ظ: الرد العود..
٢٨ في ظ: ليدافع؛ وزيد بعده فيه وفي الأصل: عند، ولم تكن الزيادة في م ومد فحذفناها..
٢٩ زيد من م ومد والقاموس..
٣٠ في ظ: إليها..
٣١ من ظ و م ومد والقاموس، وفي الأصل: ردا..
٣٢ من م ومد والقاموس، وفي الأصل و ظ: أرادا..
٣٣ من م ومد، وفي الأصل و ظ: فدفعه..
٣٤ من م ومد والقاموس، وفي الأصل و ظ: أراده..
٣٥ في ظ: إليه..
٣٦ سقط من ظ..
٣٧ زيد من م ومد..
٣٨ من ظ و م ومد والقاموس، وفي الأصل: أنسابها..
٣٩ من ظ و م ومد والقاموس، وفي الأصل: ردا- كذا..
٤٠ في ظ: بالرود..
٤١ من التاج، وفي الأصل و ظ ومد: غدا، وفي م: عداء..
٤٢ من م وجمهرة اللغة ٣/٢٤١، وفي الأصل و ظ ومد: كثير..
٤٣ من الجمهرة، وفي الأصول: رود..
٤٤ سقط من ظ..
٤٥ من م ومد والقاموس، وفي الأصل و ظ: فأخذه..
٤٦ في ظ و م: الراد..
٤٧ في الأصل و ظ: التهم، وفي م ومد: التهمة؛ ولم نفز هذا المعنى في القواميس الموجودة بأيدينا اللهم إلا أن الفيروز أبادي ذكر في قاموسه أن الرؤدة بالضم: التؤدة. وهذا المعنى كان أكثر انطباقا على الرفق والمهلة فصححناه..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى