المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ( ٦٨ ) وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آَوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ( ٦٩ )
روي أنه لما ودعوا أباهم قال لهم : بلغوا ملك مصر سلامي وقولوا له : إن أبانا يصلي عليك ويدعو لك ويشكر صنيعك معنا. وفي كتاب أبي منصور المهراني : أنه خاطبه بكتاب قرىء على يوسف فبكى.
وقوله :﴿ما كان يغني عنهم من الله من شيء إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها﴾ بمثابة قولهم : لم يكن في ذلك دفع قدر الله بل كان أرباً ليعقوب قضاه. وطيباً لنفسه تمسك به وأمر بحبسه. فجواب ﴿لما﴾ في معنى قوله :﴿ما كان يغني عنهم من الله من شيء﴾(١) و ﴿إلا حاجة﴾ استثناء ليس من الأول. وال ﴿حاجة﴾ هي أن يكون طيب النفس بدخولهم من أبواب متفرقة خوف العين. قال مجاهد :«الحاجة » : خيفة العين، وقاله ابن إسحاق، وفي عبارتهما تجوز : ونظير هذا الفعل أن رسول الله ﷺ سد كوة في قبر بحجر وقال :«إن هذا لا يغني شيئاً ولكنه تطيب لنفس الحي »(٢).
قال القاضي أبو محمد : وقوله - عندي - ﴿ما كان يغني عنهم من الله من شيء﴾ معناه : ما رد عنهم قدراً، لأنه لو قضي أن تصيبهم عين لأصابتهم مفترقين أو مجتمعين، وإنما طمع يعقوب أن تصادف وصيته قدر السلامة فوصى وقضى بذلك حاجته في نفسه في أن يتنعم برجائه، أن تصادف القدر في سلامتهم.
ثم أثنى الله عز وجل على يعقوب بأنه لقن ما علمه الله من هذا المعنى، واندرج غير ذلك في العموم وقال إن أكثر الناس ليس كذلك، وقيل : معناه : إنه لعامل بما علمناه - قاله قتادة - وقال سفيان : من لا يعمل لا يكون عالماً.
قال القاضي أبو محمد : وهذا لا يعطيه اللفظ، اما انه صحيح في نفسه يرجحه المعنى وما تقتضيه منزلة يعقوب عليه السلام.
قال أبو حاتم : قرأ الأعمش ﴿لذو علم لما علمناه﴾. ويحتمل أن يكون جواب ﴿لما﴾ في هذه الآية محذوفاً مقدراً، ثم يخبر عن دخولهم أنه ﴿ما كان يغني. . .﴾ الآية.
١ قال أبو حيان في البحر: "وفيه حجة لمن زعم أن [لما] حرف وجوب لوجوب لا ظرف زمان بمعنى (حين)، إذ لو كانت ظرف زمان ما جاز أن تكون معمولة لما بعد (ما) النافية، لا يجوز: "حين قام زيد ما قام عمرو"، ويجوز: "لما قام زيد ما قام عمرو"، فدل ذلك على أن [لما] حرف يترتب جوابه على ما بعده..
٢ أخرجه الترمذي في كتاب الطب..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى