اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتابفصل
روي : أنهم لما قالوا :﴿مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضر﴾ وتضرَّعُوا إليه، أدركته الرِّقَّة، فارفضَّ دمعه، فباح الذي كان يكتمُ، فقال :﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ وقيل : دفعوا إليه كتاب يعقوب، فلما قرأ الكتاب ارتعدت مفاصله واقشعرَّ جلدهُ، ولانَ قلبه، وكثر بكاؤه ؛ فصرح بأنه يوسف.
قوله :﴿هَلْ عَلِمْتُمْ﴾ يجوز أن تكون استفهامية للتَّوبيخ، وهو الأظهر وقيل : هو خبر و " هَلْ " بمعنى " قَدْ ".
وقال الكلبيُّ :" إنما قال :﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ﴾ حين حكى لإخوته أنَّ مالك بن دعر قال : إنِّي وجدت غلاماً في بئر من حلاعه كَيْتَ وكيْتَ فأبتعته بكذا وكذا درهماً، فقالوا أيُّها الملك : نحن بِعْنَا ذلك الغلام منه ؛ فغاظ يوسف عليه السلام ذلك، وأمر بقتلهم، فذهبوا بهم ليقتلوهم، فولى يَهُوذا وهو يقول : كان يعقوب قد حزن لِفقْدِ واحدة منَّا حتَّى كفَّ بصره، فكيف إذا أتاهُ قتل بنيه كلِّهم، ثم قالوا له : إن فعلت ذلك، فابعثْ بأمتعتنا إلى أبينا، فإنَّه بمكان كذا وكذا، فذلك حين رحمهم وبكى، وقال ذلك القول ".
وفي هذه الآية تصديق قوله تعالى :﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ [يوسف: ١٥]، وأمَّا قوله :" وَأخِيهِ " فالمراد ما فعلتم من تعريضه للغمِّ بسبب إفراده عن أخيه لأبيه وامِّه، وأيضاًك كانوا يؤذونه، ومن جملة الإيذاء، قالوا في حقه :﴿إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ﴾ [يوسف: ٧٧] وأما قوله :﴿إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ﴾ فهو يجرى مجرى الغدرِ لهم كأنه قال : أنتم أقدمتم على ذلك الفعل القبيح المنكر حال كونكم من حالة الصِّبا، وفي جهالة الغرور، يعني : والآن لستُم كذلكن ونظيره قوله تعالى :﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكريم﴾ [الانفطار: ٦] وقيل : إنما ذكر تعالى ذلك الوصف ليكون ذلك جارياً مجرى الجواب، فيقول العبدُ : يا ربِّ غرَّنِي كرَمُكَ، فكذا ههنا إنَّما قال لهم يوسف ذلك الكلام إزالة للخجل عنهم، وتخفيفاً للأمر عليهم.
وقيل : المعنى : إذ أنتم جاهلون بما يئول إليه أمر يوسف صلوات الله وسلامه عليه. فإن قيل : كيف قال :﴿مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾، ولم يكن منهم إلى أخيه شيء، ولم يسعوا في حبسه ؟.
قيل : هو قولهم حين أخرجوا الصواع من رحله، ما رأينا منكم يا بني راحيل إلاَّ البلاء.
وقيل : تفريقهم بينه، وبين أخيه يوسف، وكانوا يؤذونه بعد فقد يوسف.