وجملة : وهم يجادلون : إما استئنافية، أو حال من الموصول، و( المِحال ) : المكر والخديعة. من مَحَل بفلان إذا كاده وعرَّضه للهلاك، ومنه تَحَمَّلَ : إذا تكلَّف استعمال الحيلة، فالميم أصلية، ووزنه : فِعَال، وقيل : مشتق من الحيلة، فالميم زائدة، ووزنه : مِفْعَل، وأصله : مِحْيَل.
ويُسبحُ الرعدُ بحمده أي : متلبساً بحمده. أو : يدل الرعد بنفسه على وحدانيته تعالى وكمال قدرته ملتبساً بالدلالة على كمال فضله، ونزول رحمته. وعن ابن عباس رضي الله عنه : سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الرعد ؛ فقال :" مَلَكٌ مَوَكَّلُ بالسَّحابِ، له مَخَارِيقُ مِنْ نَارٍ يَسُوقُ السَّحَاب " ١.
و تسبح أيضاً الملائكة من خِيفَته أي : من خوفه وإجلاله، ويُرسل الصواعقَ ؛ نار تنزل من السماء وقت ضرب الرعد، فيصيب بها ما يشاء فيهلكه وهم يجادلون في الله أي : الكفار، حيث يكذبون رسوله فيما يصفه به من كمال العلم والقدرة، والتفرد بالألوهية، وبعث الناس وحشرهم للمجازاة، وهو شديد المِحَال أي : شديد المكر بأعدائه، الذين أرادوا أن يمكروا بنبيه عليه الصلاة والسلام.
رُوي أن عامر بن الطُفَيل وأرْبَدَ بن ربيعة وفدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قاصدين لقتله، فأخذ عامر بالمجادلة مع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشغله، ودار أرْبَدُ من خلفه ؛ ليضربه بالسيف، فتنبه له الرسول عليه الصلاة والسلام وقال :" اللَّهُمَّ اكفنيهما بِمَا شِئتَ "، فأرسل الله على أرْبد صاعقة فقتلته، ورُمي عامرٌ بغدة، فمات في بيت امرأة سلُوليَّة، فكان يقول : غُدة كغُدَّة البعير، وموت في بيت امرأة سلُولِيَّة ! فنزلت الآية من أولها٢، وهو قوله : له معقبات. . . إلخ، على قول.
هو الذي يُريكم بَرْقَ لمعان أنوار المشاهدة، عند الاستشراف على الحضرة القدسية، خوفاً من الرجوع ؛ لعدم إطاقة ذلك النور، وطمعاً في الوصول إلى التمكين، فلا يزال تترادف عليه البروق حتى يستمر ذلك كبرق متصل، وهي أنوار المواجهة، وينشئ سحاب الواردات ثقالاً بالعلوم والأسرار، ويرسل الصواعق تصعق وجود الحس عن أسرار المعاني، فيصيب بها من يشاء ممن سبقتَ له العناية. وأهل الإنكار والتكذيب بطريق الخصوص يجادلون في الله بتكذيب أوليائه وإنكار هذه الأنوار، وهو شديد المحال، فيمكر بهم ويتركهم في مقام البُعد، وهم لا يشعرون.
٢ أخرجه ابن الطبري في تفسيره ١٣/١٢٦..
الإشارة : من جريان حكمته تعالى في خلقه أنه لا يسلب النعم عنهم إلا بسوء أدبٍ منهم، كلٌّ على قدر مقامه، فالنعم الظاهرة يسلبها بترك الطاعة الظاهرة، أو بالمخالفة الظاهرة، والنعم الباطنة يسلبها بترك المراقبة الباطنة أو المشاهدة الباطنة، فلكل مقام حقوق وآداب ؛ فمن أَخَلَّ بحقوق مقام نقص له منه، إلا أن يتوب. وقد يسيء الأدب فتؤخر العقوبة عنه، فيظن أنه لم يُسْلب. ولو لم يكن إلا ترك المزيد. وقد يبعد، وهو لا يشعر، ولو لم يكن إلا وتركه وما يريد. كما في الحِكَم :" إن الله لا يغير ما في القلوب من أنوار الشهود والعيان، حتى يغيروا ما بأنفسهم من حسن الأدب بسوء الأدب ". وهذا ما لم يتحقق له مقام المحبوبية والتمكن مع الله في المعرفة. وإلا فالرعاية والعناية محفوفة بقلبه، فقد يبلغ الولي إلى مقام يقال له : افعل ما شئت فقد غفرتُ لك، كما وقع لأهل بدر، وارجعٌ ما تقدم عند قوله : أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ [ الأنعام : ٨٢ ] وقد يُغير الله قلب عبده اختباراً له، فيسلبه حلاوة المعاملة أو المعرفة، فإن هو اضطرب وتضرع ردَّ له حاله، وإن لم يضطرب ولم يفزع إلى الله لم يرد له شيئاً. وإليه الإشارة بقوله : وإذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مَردَّ له... الآية.
هو الذي يُريكم بَرْقَ لمعان أنوار المشاهدة، عند الاستشراف على الحضرة القدسية، خوفاً من الرجوع ؛ لعدم إطاقة ذلك النور، وطمعاً في الوصول إلى التمكين، فلا يزال تترادف عليه البروق حتى يستمر ذلك كبرق متصل، وهي أنوار المواجهة، وينشئ سحاب الواردات ثقالاً بالعلوم والأسرار، ويرسل الصواعق تصعق وجود الحس عن أسرار المعاني، فيصيب بها من يشاء ممن سبقتَ له العناية. وأهل الإنكار والتكذيب بطريق الخصوص يجادلون في الله بتكذيب أوليائه وإنكار هذه الأنوار، وهو شديد المحال، فيمكر بهم ويتركهم في مقام البُعد، وهم لا يشعرون.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي