﴿ مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلإِيمَانِ وَلَـٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾
قوله تعالى: مَن كَفَر باللهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وقَلْبُه مطمئن بالإيمان، وَلكِن مَن شَرَحَ بالكُفْرِ صَدْراً الآية:
قال ابنُ حبيب: هذا منسوخٌ بقولِه: ثُمَّ إِنَّ ربَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا من بعد مَا فُتِنُوا [النحل: ١١٠].
قال أبو محمد: وهذا لم يقلْه أحد غيره، وهو غلط ظاهر، لأن نسخ هذا بأن يجازوا بغير ما أخبرنا الله به من مجازاتهم، وذلك لا يجوز على الله - جلّ ذكره -. وقوله تعالى: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِن بَعْدِ مَا فُتِنُوا [النحل: ١١٠]: نزل في صِنْفٍ آخر غيرِ الصِّنْفِ الأَوَّل، وهم قوم أسلموا ففتنوا عن دينهم ومُنِعوا من الهجرة، فأخبرنا اللهُ أنهم إذا هاجروا وجاهدوا وصبروا، فإنَّه لَهم غفور رحيم. وقد قُرِىءَ: فَتَنوا - بالفتح - على معنى أنهم فتنوا غيرَهم عن دينهم. ﴿والله غفور رحيم﴾ لهم إذا أسلموا وهاجروا، وجاهدوا. الآية الأولى نزلت في قوم أُكْرِهوا على الكفر، وفي قوم شرحوا صدورَهم بالكفر، وفي قوم كفروا بعد إيمانهم، وهذا كُلُّه في أصنافٍ مختلفة يختلف الحكمُ فيهم وفي مجازاتهم، فلا يَنْسَخُ شيءٌ منه شيئاً.
وأيضاً فإنه خبر، والخبر لا يُنْسَخ، لأنه يصير المنسوخُ أخبر به على غير ما هو عليه - ويتعالى الله عن ذلك - وأخبار الله - جلّ ذكره -كُلُّها جاريةٌ على حقيقة ما هي به لا يجوز فيها غير ذلك.
وإذا كانت كذلك لم يَجُزْ نسخُها إلا بشيءٍ على خلاف ما هو به، وهذا كُلُّه لا يجوز ولا يَحْسُن من الآدميين، فكيف من علاّم الغيوب!- تعالى الله عن ذلك -.
الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي
أحمد حسن فرحات