ثم أمره سبحانه بالتوكل وقلة المبالاة، فقال : فَتَوَكَّلْ عَلَى الله والفاء لترتيب الأمر على ما تقدّم ذكره، والمعنى : فوّض إليه أمرك، واعتمد عليه فإنه ناصرك. ثم علل ذلك بعلتين : الأولى قوله : إِنَّكَ عَلَى الحق المبين أي الظاهر، وقيل المظهر.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : دَابَّةً مّنَ الأرض تُكَلّمُهُمْ قال : تحدّثهم. وأخرج ابن جرير عنه قال : كلامها تنبئهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي داود نفيع الأعمى قال : سألت ابن عباس عن قوله : تُكَلّمُهُمْ يعني هل هو من التكليم باللسان، أو من الكلم، وهو الجرح ؟ فقال : كل ذلك، والله تفعل، تكلم المؤمن وتكلم الكافر أي تجرحه. وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه عن ابن عمر في الآية قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«ليس ذلك حديث، ولا كلام، ولكنها سمة تسم من أمرها الله به، فيكون خروجها من الصفا ليلة منى، فيصبحون بين رأسها وذنبها لا يدحض داحض، ولا يجرح جارح، حتى إذا فرغت مما أمرها الله به فهلك من هلك، ونجا من نجا، كان أوّل خطوة تضعها بإنطاكية». وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال : الدابة ذات وبر وريش، مؤلفة فيها من كل لون، لها أربع قوائم تخرج بعقب من الحاج. وأخرج أحمد وابن مردويه عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«تخرج الدابة فتسم على خراطيمهم، ثم يعمرون فيكم حتى يشتري الرجل الدابة، فيقال له : ممن اشتريتها ؟ فيقول : من الرجل المخطم» وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس :" إن للدابة ثلاث خرجات " ؛ وذكر نحو ما قدّمنا. وأخرج ابن مردويه عن حذيفة بن أسيد رفعه قال :" تخرج الدابة من أعظم المساجد حرمة " وأخرج سعيد بن منصور ونعيم بن حماد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : تخرج من بعض أودية تهامة.
وأخرج الطيالسي وأحمد ونعيم بن حماد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : تخرج من بعض أودية تهامة. وأخرج الطيالسي وأحمد ونعيم بن حماد والترمذي وحسنه، وابن ماجه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه، والبيهقي في البعث عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«تخرج دابة الأرض ومعها عصا موسى، وخاتم سليمان، فتجلو وجه المؤمن بالخاتم، وتخطم أنف الكافر بالعصا، حتى يجتمع الناس على الخوان يعرف المؤمن من الكافر»، وأخرج الطيالسي ونعيم بن حماد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، والبيهقي في البعث عن حذيفة بن أسيد الغفاريّ قال : ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدابة، فقال :«لها ثلاث خرجات من الدهر» وذكر نحو ما قدّمنا في حديث طويل. وفي صفتها ومكان خروجها وما تصنعه ومتى تخرج أحاديث كثيرة بعضها صحيح، وبعضها حسن، وبعضها ضعيف. وأما كونها تخرج، وكونها من علامات الساعة، فالأحاديث الواردة في ذلك صحيحة. ومنها ما هو ثابت في الصحيح كحديث حذيفة مرفوعاً :«لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات» وذكر منها الدابة فإنه في صحيح مسلم وفي السنن الأربعة، وكحديث :«بادروا بالأعمال قبل طلوع الشمس من مغربها، والدجال، والدابة» فإنه في صحيح مسلم أيضاً من حديث أبي هريرة مرفوعاً، وكحديث ابن عمر مرفوعاً :«إن أوّل الآيات خروجاً طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحى» فإنه في صحيح مسلم أيضاً.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني