قوله : وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ القرى التي بَارَكْنَا فِيهَا بالماء والشجر وهي قُرَى الشام «قُرًى ظَاهِرَةً » متواصلة أي يظهر بعضها لبعضها يرى سواد القرية من القرية الأخرى لقربها منها فكان١ شَجَرُهُمْ من اليمن إلى الشام فكانوا يبيتون بقرية ويقيلُون بأخرى وكانوا لا يحتاجون إلى حمل زاد من سَبَأَ إلى٢ الشام.
فإن قيل : هذا من النعم والله تعالى أراد٣ بيان تبديل نعمهم بقوله : وبَدَّلْنَاهُمْ بجَنَّتَيهِمْ جَنَّتَيْنِ فكيف عاد مرة أخرى إلى بيان النعمة بعد النعمة ؟
فالجواب : أنه ذكر حال نفس بلدهم وبين تبديل ذلك بالخمط والأثل ثم ذكر حال خارج بلدهم وذكر عمارتها بكَثْرة القُرى ثم ذكر تبديله ذلك بالمَفَاوز والبَرَارِي والبَوَادِي بقوله : بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا ، وقد فعل ذلك ويدل عليه قراءة من قرأ ربُّنَا بَعَّدَ بَيْنَ أَسْفَارِنَا على المبتدأ والخبر٤.
قوله : وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ أي قدرنا سيرهم من هذه القرى وكان سيرهم في الغَدْوِ والرَّواح على قدر نصف يوم فإذا ساروا نصفَ يوم وصلوا إلى قرية ذات مياه وأشجار قال قتادة : كانت المرأة تخرج ومعها مِغْزَلُها وعلى رأسها مِكتَلُها فَتَمْتَهن بمغزلها فلا تأتي بيتها حتى يمتلئ مِكتَلُها من الثمار وكان ما بين اليمن إلى الشام كذلك٥.
قوله :«سِيرُوا » أي وقُلْنَا لهم سيروا، وقيل : هو أمر بمعنى الخبر أي مكَّنَّاهم من السير فكانوا يسيرون فيها لَيَالي وأياماً أي بالليالي والأيَّام أي وقت شئتم «آمِنِينَ » لا تخافون عَدُوّاً ولا جُوعاً ولا عَطَشاً٦.
وقيل : معنى٧ قوله تعالى : لِيَالِيَ وَأَيَّاماً أنكم تسيرون فيه إن شئتم لَيَالِيَ وإن شئتم أياماً لعدم الخوف بخلاف المواضع المخوفة فإن بعضها يُسْلَكُ ليلاً لئلا يعلم العدو بسيرهم وبعضها يسلك نهاراً لئلا يقصدهم العدو إذا كان العدو غيرَ مجاهر بالقصد والعداوة فَبَطَرُوا٨ وطغوا ولم يصبروا على العاقبة وقالوا : لو كَانَ جَنَى جَنَّاتِنَا أبعدَ مما هي كان أجدرَ أن نشتهيه فقالوا : ربَّنَا بَعِّدْ بين أسفارنا فاجعل بيننا وبين الشام فلواتٍ ومَفَاوِزَ لنركبَ فيها الرَّوَاحِل ونتزودَ فيها الأزواد. وقال مجاهد : بَطَرُوا٩ النعمة وسَئِمُوا الراحة كما طلبت اليهود الثوم والبصل. ويحتمل أن يكون ذلك لفساد اعتقادهم وشدة اعتمادهم على أن ذلك لا يعدم١٠ كما يقول القائل لغيره : اضربني إشارة إلى أنه لا يَقْدِرُ عليه، ويحتمل أن يكون قولهم :«رَبَّنَا بَاعِدْ » بلسان الحال أي لما كفروا فقد طلبوا أن يُبَعَّد بين أسفارهم وتخريب المعمور من ديارهم، وقوله :«ظلموا » يكون بياناً١١ لذلك.
٢ انظر: معالم التنزيل للبغوي السابق..
٣ انظر الرازي السابق..
٤ وهي قراءة ابن عباس وابن الحنفية وابن يعمر بخلاف والكلبي وعمرو بن فائد. انظر: المحتسب ٢/١٨٨ والرازي ٢٥/٢٥٢ وهي من الشواذ رواية لا قياسا وستأتي..
٥ معالم التنزيل ٥/٨٩ وكذلك لباب التأويل للخازن ٥/٢٨٩..
٦ السابقان..
٧ وهو قول الرازي ٢٥/٢٥٢..
٨ تفسير البغوي السابق..
٩ السابق..
١٠ في الرازي لا يقدر وهو والصحيح..
١١ المرجع السابق..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود