متى هذا الوعد أي : حين وزمان يأتي فيه ما وعدتم من البعث وإحياء الموتى ؟
وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم لعلكم ترحمون( ٤٥ )وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين( ٤٦ )وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه إن أنتم إلا في ضلال مبين( ٤٧ )ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين( ٤٨ )ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون( ٤٩ )فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون( ٥٠ )ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون( ٥١ )قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمان وصدق المرسلون( ٥٢ )إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون( ٥٣ )فاليوم لا تظلم نفس شيئا ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون( ٥٤ ) .
من الآية الواحدة والثلاثين إلى هذه الآيات في السورة يتبين البرهان تلو البرهان على أن الله تعالى حق، وأن لقاءه حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور، ومهما رأى الكافرون من آيات، ومهما سمعوا من حجة بالغة ونذر وعظات، فإنهم عن كل شيء من هذا الهدى متولون، ولكل سبيل رشد تاركون، وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم لعلكم ترحمون وإذا نصح الجاحدون المكذبون بما يجب الإيمان والتصديق به، ونودوا أن احذروا وخافوا وتوقوا- أي أقيموا بينكم وبين المهالك وقاية- واجتنبوا أن تفعلوا ما فعل أسلافكم من المكذبين لكيلا ينالكم ما نالهم من التدمير، واعملوا ما ينجيكم من عذاب يأتي بعد يصلاه كل مرتاب في ملاقاة الملك الكبير، إذا ذكروا بذلك تولوا وأعرضوا، وكذبوا واستكبروا، نقل الثعلبي عن ابن عباس. ما بين أيديكم من أمر الآخرة وما عملوا لها- فإنهم قادمون عليه- وما خلفكم من أمر الدنيا- فإنهم تاركوها وراء ظهورهم-فاحذروها ولا تغتروا بها. أ هـ.
ومما جاء في تفسير غرائب القرآن : لا مثل الذين يبتغون البرهان، ولا كالعوام الذين يبنون أمورهم على الأحوط إذا أنذرهم منذر انتهوا عن ارتكاب المنهي –عنه-خوفا من تبعته... أ هـ.
وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين وما تجيئهم من آية من آيات ربنا المتلوة القرآنية، أو آية وعلامة من بدائع مخلوقاته الكونية إلا وكان شأن الكافرين الإعراض والتولي ؛ [ وما نافية، وصيغة المضارع للدلالة على الاستمرار التجددي، و من الأولى.. لتأكيد العموم، والثانية تبعيضية، متعلقة بمحذوف.... والمراد بها إما هذه الآيات الناطقة بما فصل من بدائع صنع الله تعالى وسوابغ آلائه الموجبة للإقبال عليها، والإيمان، وإيتاؤها : نزول الوحي بها، أي : ما نزل الوحي بآية من الآيات الناطقة بذلك إلا كانوا عنها معرضين على وجه التكذيب والاستهزاء، وإما ما يعمها والآيات التكوينية الشاملة للمعجزات وتعاجيب المصنوعات التي من جملتها الآيات الثلاث المعدودة آنفا، وإيتاؤها : ظهورها لهم، أي : ما ظهرت لهم آية من الآيات التي من جملتها ما ذكر من شؤونه تعالى الشاهدة بوحدانيته سبحانه وتفرده تعالى بالألوهية إلا كانوا عنها معرضين، تاركين للنظر الصحيح فيها، المؤدي إلى الإيمان به عز وجل ]١.
-فإن قال قائل : وأين جواب قوله : وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم ؟ قيل : جوابه وجواب قوله : وما تأتيهم من آية من آيات ربهم قوله : إلا كانوا عنها معرضين لأن الإعراض منهم كان عن كل آية لله، فاكتفى بالجواب عن قوله : اتقوا ما بين أيديكم وعن قوله : وما تأتيهم من آية بالخبر عن إعراضهم عنها لذلك، لأن معنى الكلام : وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم أعرضوا وإذا أتتهم آية أعرضوا. { وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله ... يقول تعالى ذكره : وإذا قيل لهؤلاء المشركين بالله أنفقوا من رزق الله الذي رزقكم فأدوا منه ما فرض الله عليكم فيه لأهل حاجتكم ومسكنتكم قال الذين أنكروا وحدانية الله وعبدوا من دونه للذين آمنوا بالله ورسوله : أنطعم أموالنا وطعامنا من لو يشاء الله أطعمه-٢ ؟ !مما أورد النيسابوري : ثم أشار إلى أنهم كما يخلون بجانب التعظيم لأمر الله حيث قيل لهم اتقوا فلم يتقوا يخلون بجانب الشفقة على خلق الله، ولا ينفقون إذا أمروا بالإنفاق.... وقوله : قال الذين كفروا دون أن يقول : قالوا تسجيل عليهم بالكفر... وقوله : أنطعم دون أننفق إظهار لغاية خستهم، فإن الإطعام أدون من الإنفاق، ومن بخل بالأدون فهو أن يبخل بالأكثر أولى، وقوله : من لو يشاء الله أطعمه كلام في نفسه حسن، لكنهم ذكروه في معرض الدفع، فلهذا استوجبوا الذم، وقد بين الله خطأهم بقوله : مما رزقكم الله فإن من في خزائنه مال، وله في يد الغير مال، فإنه مخير، إن أراد أعطى.. مما في خزائنه، وإن شاء أعطى مما في يد الغير، وليس لذلك الغير أن يقول لم أحلته عليّ ؟.. اهـ.
ومما جاء في جامع البيان : وفي قوله : إن أنتم إلا في ضلال مبين وجهان : أحدهما أن يكون من قبل الكفار للمؤمنين، فيكون تأويل الكلام حينئذ : ما أنتم أيها القوم في قيلكم لنا : أنفقوا مما رزقكم الله على مساكينكم إلا في ذهاب عن الحق، وجور عن الرشد، مبين لمن تأمله وتدبره أنه في ضلال، وهذا هو أولى وجهيه بتأويله... أ هـ.
ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ويقول الكافرون المكذبون بالبعث مستعجلين مجيء القيامة مستهزئين : متى يتحقق ما تعدوننا به من النشور والحساب والجزاء إن كنتم صدقتم فيما وعدتم ؟ ! يقولون ذلك لرسول الله وللمؤمنين، -وكأنه لم يعتبر كونه شرا لهم، ولذا عبروا بالوعد دون الوعيد، وقيل إن ذاك لأنهم زعموا أن لهم الحسنى عند الله تعالى إن تحقق البعث... -٣، والقرآن يشهد عليهم في مثل هذا الادعاء كما في قول الله سبحانه : ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا. وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا ٤وكذا القول الرباني الكريم : ولئن أذقناه رحمة منا بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى.. ٥، ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون وما ينتظر المستعجلون بالساعة إلا نفخة واحدة - وهي النفخة الأولى التي يهلك عندها كل حي إلا الله سبحانه- وتأتيهم بغتة وهم يتحاورون في أمورهم، تفجأهم وتسرع بفنائهم جميعا، فلا يقدرون على توصية بما يريدون قبل موتهم، ولا يملكون الرجوع إلى أهليهم-وعبر بالانتظار نظرا إلى ظاهر قولهم : متى هذا الوعد أولا لأن الصيحة لما كانت لابد من وقوعها جعلوا كأنهم منتظروها-٦.
[ ومن جملة تعنتهم أنهم استبطؤا الموعود على الاتقاء والإنفاق، قائلين : إن كنتم أيها المدعون للرسالة صادقين فأخبرونا متى يكون هذا الموعود به من الثواب والعقاب ؟ فأجابهم الله تعالى بقوله : ما ينظرون إلا صيحة واحدة كأنهم بالاستبطاء كانوا منتظرين شيئا، وتنكير صيحة للتهويل، ووصفها بـ واحدة تعظيم للصيحة : وتقصير لشأنهم، أي : صيحة لا يحتاج معها إلى ثانية، وفي قوله : تأخذهم أي تعمهم بالأخذ مبالغة أخرى، وكذا في قوله : وهم يخصمون أي يشتغلون بمتاجرهم ومعاملاتهم، وسائر ما يتخاصمون فيه، ومع ذلك يصعقون،.. ثم بالغ في شدة الأخذ بقوله : فلا يستطيعون توصية .. من أداء الواجبات ورد المظالم، وقد تحصل التوصية بالإشارة، لكنه يكون عند مجيئها في غاية العجز عنها وعن غيرها٧ ].
روى الإمام مسلم-رحمه الله-في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما :( ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ٨ليتا ورفع ليتا٩-قال : وأول من يسمعه رجل يلوط١٠حوض إبله-قال : فيصعق١١ويصعق الناس )، ومما جاء في الجامع لأحكام القرآن : وروى أبو نعيم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( تقوم الساعة والرجلان قد نشرا ثوبهما يتبايعان فلا يطويانه حتى تقوم الساعة ورجل يليط حوضه ليسقي ماشيته فما يسقيها حتى تقوم الساعة والرجل يخفض ميزانه فما يرفعه حتى تقوم الساعة والرجل يرفع أكلته إلى فيه فما يبتلعها حتى تقوم الساعة ). اهـ.
ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون ويأمر الله تعالى الملك الموكل بالنفخ، فينفخ في الصور-وهو قرن من نور- فإذا الموتى قد أحياهم القوي القدير، فالنفخة الأولى كانت للإماتة، وهذه الثانية للإحياء، فإذا بالقبور تنشق عمن فيها تبعثرهم، يخرجون منها سراعا، يساقون ويحشرون، ويجمعون لملاقاة ربهم وبين يديه يوقفون، وعندها ينتبهون، ويشتد عليهم الهول ويتحسرون، وينادون : يا هلاكنا احضر، ثم يتساءلون : من بعثنا من مرقدنا، وأحيانا بعد مماتنا ؟ ثم يجيبون أنفسهم شاهدين عليها بما كانت قد كذبت وجحدت : هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون ما موصولة أي هذا الذي وعده الرحمن والذي صدقه المرسلون، أي صدقوا فيه، قال ابن زيد : الجواب من قبل الكفار.. أ هـ.
ولعل مما يشهد لهذا المعنى قول الحق جل ثناؤه :.. وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين ١٢وكذا ما تشير إليه الآية الكريمة :.. يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل.. ١٣، ونقل عن الفراء أنه جواب من جهته عز وجل، ونقل عن قتادة ومجاهد : من قبل المؤمنين
اهـ.
ما كانت النفخة الثانية-في الصور- إلا صرخة وصوتا، - وقيل : هي قول إسرافيل عليه السلام : أيتها العظام النخرة والأوصال المتقطعة، والشعور المتمزقة إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء١٤ فإذا الكل مجتمع حاضر بين يدي خير الفاتحين، إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا. لقد أحصاهم وعدهم عدا. وكلهم آتيه يوم القيامة فردا ١٥ فلا تظلم نفس من النفوس برة كانت أو فاجرة في هذا اليوم المعهود شيئا من الأشياء، ولا يلحقكم إلا جزاء ما كنتم تعملونه في الدنيا.
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب