ﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎﰏﰐﰑﰒﰓﰔ

﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْيَ قَالَ يٰبُنَيَّ إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ قَالَ يٰأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّابِرِينَ ﴾

قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾، إلى تمام القصة في الذبح:
هذه الآيةُ تدلُّ على جواز النسخ قبل فعل ما أمر به.
أمر الله إبراهيم - عليه السلام - بذبح ابنه، ثم نسخ ذلك وفداه بكبش قبل الذبح، ومثلُه فرضُ الصَّدَقة قبل مناجاة الرسول ثم نسخُ ذلك قبل فعل المؤمنين لذلك. ومثلُه ما روي من فرض خمسين صلاة، ثم رُدَّت إلى خمسٍ قبل فعل الأول ومثلُه ما روي من فرض خمسين صلاة، ثم رُدَّت إلى خمس قبل فعل الأول ومثلُه فرضُ ثبات الواحد من المسلمين لعشرةٍ من الكفار، ثم نسخت قبل فعله بثباتِ الواحدِ من المسلمين لاثنين من الكفار- وفيه اختلاف قد ذكر في الأنفال -.
وقال قوم: هذا كُلُّه ليس بنسخ لأنه كالبَدَاء.
قال أبو محمد: وهذا لا يجوز على الله - جلَّ ذكره - لأن البداء ظهور رأيٍ لم يكن قبل ذلك الوقت، والله يتعالى عن ذلك لأنه عالم الغيوب قد عَلِمَ أَنه يأمرُ بهذه الأشياء ليختبرَ بها عبادَه (ويبلوَ طاعتَهُم)، وأنه يخففها ويَنْسَخُها قبل فِعلها تخفيفاً عنهم ورحمةً لهم لما في ذلك من صلاح عباده وإظهارِ قدرتِه، وتَفَضُّلِه على خلقه، فهو نسخٌ صحيحٌ غير بداء.
ولو وقعَ مثلُ هذا من الآدميين لجازَ أن يكونَ (ذلك) بداءً، لو قال رجل لغيره: قُمْ، ثم قال له: لا تَقُم، جاز أن يكون ذلك رأياً ظهرَ لَه بعد أمره الأول، وجاز أن يكون قد نوى ذلك قبل أَمرِه له، فلا يكون منه بداء لِتَقَدُّم اعتقادِه لذلك، فإذا جاز أن يكونَ ذلكَ من المخلوقين غيرَ بداء، لأنه من صِفَةِ النَّقص، فاللهُ أَعظمُ وأَجلُّ من أن يلحقَه ذلك؛ إذ قد عَلِمَ ما يأمرُ به، وما يزيلُ من أمره وما (ينهى) عنه، وما يُقِرُّ الخلقَ عليه، وما ينقلُهم عنه قبل فعل الأول علماً متقدِّماً بلا نهاية.

صفحة رقم 141

الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه

عرض الكتاب
المؤلف

أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي

تحقيق

أحمد حسن فرحات

عدد الأجزاء 1