قَالَ تَعَالَى: (قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَفَغَيْرَ اللَّهِ) : فِي إِعْرَابِهَا أَوْجُهٌ:
أَحَدُهَا: أَنَّ «غَيْرَ» مَنْصُوبٌ بِـ «أَعْبُدُ» مُقَدَّمًا عَلَيْهِ، وَقَدْ ضُعِّفَ هَذَا الْوَجْهُ مِنْ حَيْثُ كَانَ التَّقْدِيرُ: أَنْ أَعْبُدَ فَعِنْدَ ذَلِكَ يُفْضِي إِلَى تَقْدِيمِ الصِّلَةِ عَلَى الْمَوْصُولِ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ «أَنْ» لَيْسَتْ فِي اللَّفْظِ، فَلَا يَبْقَى عَمَلُهَا؛ فَلَوْ قَدَّرْنَا بَقَاءَ حُكْمِهَا لَأَفْضَى إِلَى حَذْفِ الْمَوْصُولِ وَبَقَاءِ صِلَتِهِ؛ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ إِلَّا فِي ضَرُورَةِ الشِّعْرِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا بِتَأْمُرُونِّي وَ «أَعْبُدُ» بَدَلًا مِنْهُ، وَالتَّقْدِيرُ: قُلْ أَفَتَأْمُرُونِّي بِعِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَهَذَا مِنْ بَدَلِ الِاشْتِمَالِ، وَمِنْ بَابِ: أَمَرْتُكَ الْخَيْرَ.
وَالثَّالِثُ أَنَّ «غَيْرَ» مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ أَفَتُلْزِمْونِي غَيْرَ اللَّهِ، وَفَسَّرَهُ مَا بَعْدَهُ.
وَقِيلَ: لَا مَوْضِعَ لِأَعْبُدَ مِنِ الْإِعْرَابِ. وَقِيلَ: هُوَ حَالٌ، وَالْعَمَلُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلِينَ. وَأَمَّا النُّونُ فَمُشَدَّدَةٌ عَلَى الْأَصْلِ، وَقَدْ خُفِّفَتْ بِحَذْفِ الثَّانِيَةِ؛ وَقَدْ ذُكِرَ نَظَائِرُهُ.
قَالَ تَعَالَى: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالْأَرْضُ) : مُبْتَدَأٌ، وَ «قَبْضَتُهُ» : الْخَبَرُ، وَجَمِيعًا حَالٌ مِنَ الْأَرْضِ؛ وَالتَّقْدِيرُ: إِذَا كَانَتْ مُجْتَمِعَةً قَبْضَتُهُ؛ أَيْ مَقْبُوضَةً؛ فَالْعَامِلُ فِي إِذَا: الْمَصْدَرُ؛ لِأَنَّهُ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ. وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو عَلِيٍّ فِي الْحُجَّةِ: التَّقْدِيرُ: ذَاتُ قَبْضَتِهِ، وَقَدْ رُدَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِأَنَّ الْمُضَافَ إِلَيْهِ لَا يَعْمَلُ فِيمَا قَبْلَهُ؛ وَهَذَا لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ الْآنَ غَيْرُ مُضَافٍ إِلَيْهِ، وَبَعْدَ حَذْفِ الْمُضَافِ لَا يَبْقَى حُكْمُهُ.
وَيُقْرَأُ قَبْضَتَهُ بِالنَّصْبِ - عَلَى مَعْنَى فِي قَبْضَتِهِ؛ وَهُوَ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ هَذَا الظَّرْفَ مَحْدُودٌ؛ فَهُوَ كَقَوْلِكَ: زَيْدٌ الدَّارَ.
(وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ) : مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ، وَ (بِيَمِينِهِ) : مُتَعَلِّقٌ بِالْخَبَرِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي الْخَبَرِ، وَأَنْ يَكُونَ خَبَرًا ثَانِيًا.
وَقُرِئَ «مَطْوِيَّاتٍ» - بِالْكَسْرِ - عَلَى الْحَالِ، وَ «بِيَمِينِهِ» : الْخَبَرُ. وَقِيلَ: الْخَبَرُ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ وَالسَّمَاوَاتُ قَبْضَتُهُ.
قَالَ تَعَالَى: (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (٧٣)).
وَ (زُمَرًا) : فِي الْمَوْضِعَيْنِ حَالٌ. (وَفُتِحَتْ) : الْوَاوُ زَائِدَةٌ عِنْدَ قَوْمٍ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ جَوَابُ حَتَّى، وَلَيْسَتْ زَائِدَةً عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ، وَالْجَوَابُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: اطْمَأَنُّوا، وَنَحْوَ ذَلِكَ. وَ (نَتَبَوَّأُ) : حَالٌ مِنَ الْفَاعِلِ، أَوِ الْمَفْعُولِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (٧٤) وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٧٥)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (حَيْثُ) : هُنَا مَفْعُولٌ بِهِ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي قَوْلِهِ: (وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا) [الْبَقَرَةِ: ٣٥] فِي أَحَدِ الْوُجُوهِ. وَ (حَافِّينَ) : حَالٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ.
وَ (يُسَبِّحُونَ) : حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي (حَافِّينَ). وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء محبّ الدين عبد الله بن الحسين بن عبد الله العكبريّ البغدادي