سُورَةُ النِّسَاءِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) (١).
قَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) فِي أَوَائِلِ الْبَقَرَةِ. (مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِخَلَقَكُمْ، وَمِنْ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ، وَكَذَلِكَ «مِنْهَا زَوْجَهَا».
وَ (مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا) : نَعْتٌ لِرِجَالٍ؛ وَلَمْ يُؤَنِّثْهُ لِأَنَّهُ حَمَلَهُ عَلَى الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ رِجَالًا بِمَعْنَى عَدَدٍ أَوْ جِنْسٍ أَوْ جَمْعٍ كَمَا ذُكِرَ الْفِعْلُ الْمُسْنَدُ إِلَى جَمَاعَةِ الْمُؤَنَّثِ؛ كَقَوْلِهِ: «وَقَالَ نِسْوَةٌ» وَقِيلَ: (كَثِيرًا) : نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ: بَثًّا كَثِيرًا.
(تَسَاءَلُونَ) : يُقْرَأُ بِتَشْدِيدِ السِّينِ، وَالْأَصْلُ تَتَسَاءَلُونَ، فَأُبْدِلَتِ التَّاءُ الثَّانِيَةُ سِينًا، فِرَارًا مِنْ تَكْرِيرِ الْمِثْلِ، وَالتَّاءُ تُشْبِهُ السِّينَ فِي الْهَمْسِ، وَيُقْرَأُ بِالتَّخْفِيفِ عَلَى حَذْفِ التَّاءِ الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّ الْبَاقِيَةَ تَدُلُّ عَلَيْهَا وَدَخَلَ حَرْفُ الْجَرِّ فِي الْمَفْعُولِ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى تَتَحَالَفُونَ بِهِ.
(وَالْأَرْحَامَ) : يُقْرَأُ بِالنَّصْبِ وَفِيهِ وَجْهَانِ:
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء محبّ الدين عبد الله بن الحسين بن عبد الله العكبريّ البغدادي