نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ) : يُقْرَأُ بِالْإِدْغَامِ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ حُرُوفِ وَسَطِ الْفَمِ، وَالْإِظْهَارُ هُوَ الْأَصْلُ. (بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا) : أَيْ: بِجُلُودٍ. وَقِيلَ: يَتَعَدَّى إِلَى الثَّانِي بِنَفْسِهِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا) (٥٧).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَطْفًا عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا، وَأَنْ يَكُونَ رَفْعًا عَلَى الْمَوْضِعِ، أَوْ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، وَالْخَبَرُ «سَنُدْخِلُهُمْ». (خَالِدِينَ فِيهَا) : حَالٌ مِنَ الْمَفْعُولِ فِي نُدْخِلُهُمْ أَوْ مِنْ جَنَّاتٍ؛ لِأَنَّ فِيهِمَا ضَمِيرَ الْكُلِّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِجَنَّاتٍ عَلَى رَأْيِ الْكُوفِيِّينَ، وَ (لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ) : حَالٌ، أَوْ صِفَةٌ.
قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا) (٥٨).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) : الْعَامِلُ فِي إِذَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: فِعْلٌ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَحْكُمُوا إِذَا حَكَمْتُمْ، وَجَعَلَ أَنْ تَحْكُمُوا الْمَذْكُورَةَ مُفَسِّرَةً لِلْمَحْذُوفِ، فَلَا مَوْضِعَ لِأَنْ تَحْكُمُوا، لِأَنَّهُ مُفَسِّرٌ لِلْمَحْذُوفِ، وَالْمَحْذُوفُ مَفْعُولُ يَأْمُرُكُمْ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعْمَلَ فِي إِذَا أَنْ تَحْكُمُوا؛ لِأَنَّ مَعْمُولَ الْمَصْدَرِ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ تَنْصِبَ «إِذَ» بِيَأْمُرُكُمْ، وَأَنْ تَحْكُمُوا بِهِ أَيْضًا؛ وَالتَّقْدِيرُ: أَنْ يَكُونَ حَرْفُ الْعَطْفِ مَعَ أَنْ تَحْكُمُوا، لَكِنْ فُصِلَ بَيْنَهُمَا بِالظَّرْفِ كَقَوْلِ الْأَعْشَى:
| يَوْمَ يَرَاهَا كَشِبْهِ أَرْدِيَةِ الْـ | عَصْبِ وَيَوْمًا أَدِيمُهَا نَغِلَا. |
قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) (٥٩).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) : حَالٌ مِنْ أُولِي. وَ (تَأْوِيلًا) : تَمْيِيزٌ.
قَالَ تَعَالَى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا) (٦٠).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَيُرِيدُونَ) : حَالٌ مِنَ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ، أَوْ مِنَ الضَّمِيرِ فِي يَزْعُمُونَ، صفحة رقم 367
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء محبّ الدين عبد الله بن الحسين بن عبد الله العكبريّ البغدادي