قَالَ تَعَالَى: (وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا) (٧٣).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَيَقُولَنَّ) : بِفَتْحِ اللَّامِ عَلَى لَفْظِ مَنْ، وَقُرِئَ بِضَمِّهَا حَمْلًا عَلَى مَعْنَى مَنْ، وَهُوَ الْجَمْعُ. (كَأَنْ لَمْ تَكُنْ) : هِيَ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وَاسْمُهَا مَحْذُوفٌ؛ أَيْ: كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِالْيَاءِ؛ لِأَنَّ الْمَوَدَّةَ وَالْوُدَّ بِمَعْنًى، وَلِأَنَّهُ قَدْ فُصِلَ بَيْنَهُمَا، وَيُقْرَأُ بِالتَّاءِ عَلَى لَفْظِ الْمَوَدَّةِ، وَهُوَ كَلَامٌ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ يَقُولُ وَبَيْنَ الْمَحْكِيِّ بِهَا وَهُوَ قَوْلُهُ: «يَا لَيْتَنِي» وَالتَّقْدِيرُ: يَقُولُ يَا لَيْتَنِي. وَقِيلَ: لَيْسَ بِمُعْتَرِضٍ؛ بَلْ هُوَ مَحْكِيٌّ أَيْضًا بِيَقُولُ؛ أَيْ: يَقُولُ: كَأَنْ لَمْ تَكُنْ. وَيَا لَيْتَنِي. وَقِيلَ: كَأَنْ لَمْ وَمَا يَتَّصِلُ بِهَا حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ فِي لَيَقُولَنَّ. وَ (يَالَيْتَنِي) : الْمُنَادَى مَحْذُوفٌ؛ تَقْدِيرُهُ: يَا قَوْمُ لَيْتَنِي؛ وَأَبُو عَلِيٍّ يَقُولُ فِي نَحْوِ هَذَا: لَيْسَ فِي الْكَلَامِ مُنَادًى مَحْذُوفٌ؛ بَلْ يَدْخُلُ «يَا» عَلَى الْفِعْلِ، وَالْحَرْفُ لِلتَّنْبِيهِ. (فَأَفُوزَ) : بِالنَّصْبِ عَلَى جَوَابِ التَّمَنِّي، وَبِالرَّفْعِ عَلَى تَقْدِيرِ فَأَنَا أَفُوزُ.
قَالَ تَعَالَى: (فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) (٧٤).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ) : أُدْغِمَتِ الْبَاءُ فِي الْفَاءِ؛ لِأَنَّهُمَا مِنَ الشَّفَتَيْنِ، وَقَدْ أَظْهَرَهَا بَعْضُهُمْ.
قَالَ تَعَالَى: (وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا) (٧٥).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَا لَكُمْ) : مَا اسْتِفْهَامٌ مُبْتَدَأٌ، وَلَكُمْ خَبَرُهُ.
وَ (لَا تُقَاتِلُونَ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَالْعَامِلُ فِيهَا الِاسْتِقْرَارُ كَمَا تَقُولُ: مَا لَكَ قَائِمًا. وَ (الْمُسْتَضْعَفِينَ) : عَطْفٌ عَلَى اسْمِ اللَّهِ؛ أَيْ: وَفِي سَبِيلِ الْمُسْتَضْعَفِينَ. وَقَالَ الْمِبَرِّدُ: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى السَّبِيلِ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ. (الَّذِينَ يَقُولُونَ) : فِي مَوْضِعِ جَرٍّ صِفَةٌ لِمَنْ عَقَلَ مِنَ الْمَذْكُورِينَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَصْبًا بِإِضْمَارِ أَعْنِي. (الظَّالِمِ أَهْلُهَا) : الْأَلِفُ وَاللَّامُ بِمَعْنَى الَّتِي، وَلَمْ يُؤَنَّثِ اسْمُ الْفَاعِلِ، وَإِنْ كَانَ نَعْتًا لِلْقَرِيبَةِ فِي اللَّفْظِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ عَمِلَ فِي الِاسْمِ الظَّاهِرِ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ أَهْلٌ، وَكُلُّ اسْمِ فَاعِلٍ إِذَا جَرَى عَلَى غَيْرِ مَنْ هُوَ لَهُ فَتَذْكِيرُهُ وَتَأْنِيثُهُ عَلَى حَسَبِ الِاسْمِ الظَّاهِرِ الَّذِي عَمِلَ فِيهِ.
قَالَ تَعَالَى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمْ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةِ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا) (٧٧).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ) : إِذَا هُنَا لِلْمُفَاجَأَةِ، وَالَّتِي لِلْمُفَاجَأَةِ ظَرْفُ مَكَانٍ، وَظَرْفُ الْمَكَانِ فِي مِثْلِ هَذَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا لِلِاسْمِ الَّذِي بَعْدَهُ، وَهُوَ فَرِيقٌ هَاهُنَا، وَ «مِنْهُمْ» صِفَةُ فَرِيقٍ. وَ «يَخْشَوْنَ» حَالٌ، وَالْعَامِلُ فِي الظَّرْفِ عَلَى هَذَا الِاسْتِقْرَارِ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ إِذَا غَيْرَ خَبَرٍ فَيَكُونُ فَرِيقٌ مُبْتَدَأً، وَمِنْهُمْ صِفَتُهُ، وَيَخْشَوْنَ الْخَبَرُ وَهُوَ الْعَامِلُ فِي إِذَا، وَقِيلَ: إِذَا هُنَا الزَّمَانِيَّةُ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ إِذَا الزَّمَانِيَّةُ يَعْمَلُ فِيهَا، إِمَّا مَا قَبْلَهَا أَوْ مَا بَعْدَهَا، وَإِذَا عَمِلَ فِيهَا مَا قَبْلَهَا كَانَتْ «مِنْ» صِلَتُهُ، وَهَذَا فَاسِدٌ هَاهُنَا؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ: فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ فِي وَقْتِ الْخَشْيَةِ فَرِيقٌ مِنْهُمْ، وَهَذَا يَفْتَقِرُ إِلَى جَوَابِ لَمَّا، وَلَا جَوَابَ لَهَا؛ وَإِذَا عَمِلَ فِيهَا مَا بَعْدَهَا كَانَ الْعَامِلُ فِيهَا جَوَابًا لَهَا، وَإِذَا هُنَا لَيْسَ لَهَا جَوَابٌ؛ بَلْ هِيَ جَوَابُ لَمَّا. (
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء محبّ الدين عبد الله بن الحسين بن عبد الله العكبريّ البغدادي