قَالَ تَعَالَى: (فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا) (٨٨).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَمَا لَكُمْ) : مُبْتَدَأٌ، وَخَبَرٌ. وَ (فِئَتَيْنِ) : حَالٌ، وَالْعَامِلُ فِيهَا الظَّرْفُ الَّذِي هُوَ لَكُمْ، أَوِ الْعَامِلُ فِي الظَّرْفِ، وَفِي الْمُنَافِقِينَ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَعْنَى فِئَتَيْنِ، وَالْمَعْنَى: وَمَا لَكُمْ تَفْتَرِقُونَ فِي أُمُورِ الْمُنَافِقِينَ، فَحُذِفَ الْمُضَافُ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ فِئَتَيْنِ؛ أَيْ: فِئَتَيْنِ مُفْتَرِقَتَيْنِ فِي الْمُنَافِقِينَ فَلَمَّا قَدَّمَهُ نَصَبَهُ عَلَى الْحَالِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) (٨٩).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (كَمَا كَفَرُوا) : الْكَافُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وَمَا مَصْدَرِيَّةٌ. (فَتَكُونُونَ) : عَطْفٌ عَلَى تَكْفُرُونَ. وَ (سَوَاءً) : بِمَعْنَى مُسْتَوِينَ؛ وَهُوَ مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ اسْمِ الْفَاعِلِ.
قَالَ تَعَالَى: (إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا) (٩٠).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبِ اسْتِثْنَاءٍ مِنْ ضَمِيرِ الْمَفْعُولِ فِي فَاقْتُلُوهُمْ. (بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ) : يَجُوزُ أَنْ تَرْفَعَ «مِيثَاقٌ» بِالظَّرْفِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَقَعَ صِفَةً، وَأَنْ تَرْفَعَهُ بِالِابْتِدَاءِ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ. (حَصِرَتْ) : فِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا مَوْضِعَ لِهَذِهِ الْجُمْلَةِ، وَهِيَ دُعَاءٌ عَلَيْهِمْ بِضِيقِ صُدُورِهِمْ عَنِ الْقِتَالِ. وَالثَّانِي: لَهَا مَوْضِعٌ، وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ جَرٌّ صِفَةٌ لِقَوْمٍ، وَمَا بَيْنَهُمَا صِفَةٌ أَيْضًا، وَجَاءُوكُمْ مُعْتَرِضٌ، وَقَدْ قَرَأَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ: «بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ» بِحَذْفِ: أَوْ جَاءُوكُمْ. وَالثَّانِي: مَوْضِعُهَا نَصْبٌ، وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: مَوْضِعُهَا حَالٌ، وَقَدْ مُرَادَةٌ تَقْدِيرُهُ: أَوْ جَاءُوكُمْ قَدْ حَصِرَتْ؛ وَالثَّانِي: هُوَ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ؛ أَيْ: جَاءُوكُمْ قَوْمًا حَصِرَتْ، وَالْمَحْذُوفُ حَالٌ مُوطِئَةٌ، وَيُقْرَأُ: (حَصِرَةً) بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِ، وَبِالْجَرِّ صِفَةً لِقَوْمٍ، وَإِنْ كَانَ قَدْ قُرِئَ حَصِرَةٌ بِالرَّفْعِ، فَعَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ، وَصُدُورُهُمْ مُبْتَدَأٌ، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ. (أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ) : أَيْ عَنْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ، فَهُوَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ أَوْ جَرٍّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْخِلَافِ. (لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا) : لَكُمْ يَتَعَلَّقُ بِجَعَلَ، وَعَلَيْهِمْ حَالٌ مِنَ السَّبِيلِ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ: سَبِيلًا كَائِنًا عَلَيْهِمْ.
قَالَ تَعَالَى: (سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّمَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا.) (٩١).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أُرْكِسُوا) : الْجُمْهُورُ عَلَى إِثْبَاتِ الْهَمْزَةِ، وَهُوَ مُتَعَدٍّ إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ.
وَقُرِئَ: «رُكِّسُوا» وَالتَّشْدِيدُ لِلثقل وَالتَّكْثِيرِ مَعًا، وَفِيهَا لُغَةٌ أُخْرَى وَهِيَ رَكَسَهُ اللَّهُ بِغَيْرِ هَمْزَةٍ وَلَا تَشْدِيدٍ وَلَمْ أَعْلَمْ أَحَدًا قَرَأَ بِهِ.
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء محبّ الدين عبد الله بن الحسين بن عبد الله العكبريّ البغدادي