فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ؛ أَيْ: فَعَلَى الْقَاتِلِ. (فَصِيَامُ) : أَيْ: فَعَلَيْهِ صِيَامُ، وَيَجُوزُ فِي غَيْرِ الْقُرْآنِ النَّصْبُ، عَلَى تَقْدِيرِ فَلْيَصُمْ
شَهْرَيْنِ. (تَوْبَةً) : مَفْعُولٌ مِنْ أَجْلِهِ، وَالتَّقْدِيرُ: شَرَعَ ذَلِكَ لَكُمْ تَوْبَةً مِنْهُ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ فِيهِ صَوْمٌ إِلَّا عَلَى تَقْدِيرِ حَذْفِ مُضَافٍ تَقْدِيرُهُ: لِوُقُوعِ تَوْبَةٍ، أَوْ لِحُصُولِ تَوْبَةٍ مِنَ اللَّهِ، وَقِيلَ: هُوَ مَصْدَرٌ مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: تَابَ عَلَيْكُمْ تَوْبَةً مِنْهُ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ؛ لِأَنَّكَ لَوْ قُلْتَ: فَعَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرَيْنِ تَائِبًا مِنَ اللَّهِ لَمْ يَجُزْ، فَإِنْ قَدَّرْتَ حَذْفَ مُضَافٍ جَازَ؛ أَيْ: صَاحِبُ تَوْبَةٍ مِنَ اللَّهِ. وَ (مِنَ اللَّهِ) : صِفَةُ «تَوْبَةً»، وَيَجُوزُ فِي غَيْرِ الْقُرْآنِ تَوْبَةٌ بِالرَّفْعِ؛ أَيْ: ذَلِكَ تَوْبَةٌ.
قَالَ تَعَالَى: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) (٩٣).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَنْ يَقْتُلْ) : مَنْ مُبْتَدَأٌ، وَ «مُتَعَمِّدًا» حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ الْقَاتِلِ «فَجَزَاؤُهُ» مُبْتَدَأٌ، وَ «جَهَنَّمُ» خَبَرُهُ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ مَنْ، وَ (خَالِدًا) : حَالٌ مِنْ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: يُجَازِهَا خَالِدًا فِيهَا، فَإِنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ مِنَ الضَّمِيرِ الْمَرْفُوعِ، وَإِنْ شِئْتَ مِنَ الْمَنْصُوبِ. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: جَازَاهُ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: «وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ» فَعَطَفَ عَلَيْهِ الْمَاضِيَ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ «خَالِدًا» حَالًا مَنَ الْمَنْصُوبِ لَا غَيْرَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْهَاءِ فِي «جَزَاؤُهُ» لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ حَالٌ مِنَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ فَصَلَ بَيْنَ صَاحِبِ الْحَالِ وَالْحَالِ بِخَبَرِ الْمُبْتَدَأِ.
قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) (٩٤).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَتَبَيَّنُوا) : يُقْرَأُ بِالْبَاءِ وَالْيَاءِ وَالنُّونِ مِنَ التَّبْيِينِ، وَبِالثَّاءِ وَالْبَاءِ وَالتَّاءِ مِنَ التَّثَبُّتِ، وَهُمَا مُتَقَارِبَانِ فِي الْمَعْنَى. (لِمَنْ أَلْقَى) : مَنْ بِمَعْنَى الَّذِي، أَوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، وَأَلْقَى بِمَعْنَى يُلْقِي؛ لِأَنَّ النَّهْيَ لَا يَصِحُّ إِلَّا فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَالَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ الْآيَةُ قَالَ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْهِ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا وَقَتَلَهُ. وَ (السَّلَامَ) : بِالْأَلِفِ التَّحِيَّةُ، وَيُقْرَأُ بِفَتْحِ اللَّامِ مِنْ غَيْرِ أَلِفٍ، وَبِإِسْكَانِهَا مَعَ كَسْرَةِ السِّينِ وَفَتْحِهَا، وَهُوَ الِاسْتِسْلَامُ وَالصُّلْحُ. (لَسْتَ مُؤْمِنًا) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالْقَوْلِ. وَالْجُمْهُورُ عَلَى ضَمِّ الْمِيمِ الْأُولَى، وَكَسْرِ الثَّانِيَةِ، وَهُوَ
مُشْتَقٌّ مِنَ الْإِيمَانِ. وَيُقْرَأُ بِفَتْحِ الْمِيمِ الثَّانِيَةِ، وَهُوَ اسْمُ الْمَفْعُولِ مِنْ أَمِنْتُهُ.: (تَبْتَغُونَ) : حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ فِي يَقُولُوا. (كَذَلِكَ) : الْكَافُ خَبَرُ كَانَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عَلَيْهَا وَعَلَى اسْمِهَا. (إِنَّ اللَّهَ كَانَ) : الْجُمْهُورُ عَلَى كَسْرِ إِنَّ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، وَقُرِئَ بِفَتْحِهَا، وَهُوَ مَعْمُولُ تَبَيَّنُوا.
قَالَ تَعَالَى: (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا) (٩٥).
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء محبّ الدين عبد الله بن الحسين بن عبد الله العكبريّ البغدادي