قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَتَبَيَّنُوا) : يُقْرَأُ بِالْبَاءِ وَالْيَاءِ وَالنُّونِ مِنَ التَّبْيِينِ، وَبِالثَّاءِ وَالْبَاءِ وَالتَّاءِ مِنَ التَّثَبُّتِ، وَهُمَا مُتَقَارِبَانِ فِي الْمَعْنَى. (لِمَنْ أَلْقَى) : مَنْ بِمَعْنَى الَّذِي، أَوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، وَأَلْقَى بِمَعْنَى يُلْقِي؛ لِأَنَّ النَّهْيَ لَا يَصِحُّ إِلَّا فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَالَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ الْآيَةُ قَالَ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْهِ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا وَقَتَلَهُ. وَ (السَّلَامَ) : بِالْأَلِفِ التَّحِيَّةُ، وَيُقْرَأُ بِفَتْحِ اللَّامِ مِنْ غَيْرِ أَلِفٍ، وَبِإِسْكَانِهَا مَعَ كَسْرَةِ السِّينِ وَفَتْحِهَا، وَهُوَ الِاسْتِسْلَامُ وَالصُّلْحُ. (لَسْتَ مُؤْمِنًا) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالْقَوْلِ. وَالْجُمْهُورُ عَلَى ضَمِّ الْمِيمِ الْأُولَى، وَكَسْرِ الثَّانِيَةِ، وَهُوَ
مُشْتَقٌّ مِنَ الْإِيمَانِ. وَيُقْرَأُ بِفَتْحِ الْمِيمِ الثَّانِيَةِ، وَهُوَ اسْمُ الْمَفْعُولِ مِنْ أَمِنْتُهُ.: (تَبْتَغُونَ) : حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ فِي يَقُولُوا. (كَذَلِكَ) : الْكَافُ خَبَرُ كَانَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عَلَيْهَا وَعَلَى اسْمِهَا. (إِنَّ اللَّهَ كَانَ) : الْجُمْهُورُ عَلَى كَسْرِ إِنَّ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، وَقُرِئَ بِفَتْحِهَا، وَهُوَ مَعْمُولُ تَبَيَّنُوا.
قَالَ تَعَالَى: (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا) (٩٥).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَصَاحِبِ الْحَالِ «الْقَاعِدُونَ»، وَالْعَامِلُ «يَسْتَوِي»، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي الْقَاعِدِينَ، فَيَكُونُ الْعَامِلُ فِيهِ الْقَاعِدُونَ؛ لِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ بِمَعْنَى الَّذِي. (غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ) : بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ صِفَةُ «الْقَاعِدُونَ» ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ قَصْدَ قَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ. وَقِيلَ: هُوَ بَدَلٌ مِنَ الْقَاعِدِينَ، وَيُقْرَأُ بِالنَّصْبِ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ مِنَ الْقَاعِدِينَ، أَوْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، أَوْ حَالًا، وَبِالْجَرِّ عَلَى الصِّفَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ. (وَالْمُجَاهِدُونَ) : مَعْطُوفٌ عَلَى الْقَاعِدِينَ. (بِأَمْوَالِهِمْ) : يَتَعَلَّقُ بِالْمُجَاهِدِينَ. (دَرَجَةً) : قِيلَ: هُوَ مَصْدَرٌ فِي مَعْنَى تَفْضِيلًا. وَقِيلَ: حَالٌ؛ أَيْ: ذَوِي دَرَجَةٍ. وَقِيلَ: هُوَ عَلَى تَقْدِيرِ حَذْفِ الْجَارِّ؛ أَيْ: بِدَرَجَةٍ. وَقِيلَ: هُوَ وَاقِعٌ مَوْقِعَ الظَّرْفِ؛ أَيْ: فِي دَرَجَةٍ وَمَنْزِلَةٍ.
(وَكُلًّا) : الْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ لِـ «وَعَدَ» وَ «الْحُسْنَى» هُوَ الثَّانِي وَقُرِئَ: وَكُلٌّ؛ أَيْ: وَكُلُّهُمْ وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ: وَعَدَهُ اللَّهُ: «أَجْرًا». قِيلَ: هُوَ مَصْدَرٌ مِنْ غَيْرِ لَفْظِ الْفِعْلِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى فَضَّلَهُمْ أَجَرَهُمْ.
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء محبّ الدين عبد الله بن الحسين بن عبد الله العكبريّ البغدادي