اللَّيْثِ الْهَمْدَانِيُّ قَالَا حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمَلِيكِيِّ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ مُصْعَبٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيرة، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ قَرَأَ آيَةَ الْكُرْسِيِّ وَأَوَّلَ حم الْمُؤْمِنِ، عُصِم ذَلِكَ الْيَوْمَ مَنْ كُلِّ سُوءٍ".
ثُمَّ قَالَ: لَا نَعْلَمُهُ يُروى إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ. وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْمُلَيْكِيِّ، وَقَالَ: تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ (١).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
حم (١) تَنزيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣)أَمَّا الْكَلَامُ عَلَى الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ، فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ "سُورَةِ الْبَقَرَةِ" بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا.
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ حم اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَنْشَدُوا فِي ذَلِكَ (٢)
يُذَكِّرُني حامِيمَ والرمحُ شَاجر... فَهَلا تَلَا حَاميمَ قَبْل التَّقدُّمِ...
وَقَدْ وَرَدَ (٣) فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، مِنْ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرة قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "إِنْ بَيَّتم اللَّيْلَةَ فَقُولُوا: حم، لَا يُنْصَرُونَ" وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ (٤).
وَاخْتَارَ أَبُو عُبَيْدٍ أَنْ يُروى: "فَقُولُوا: حم، لَا يُنْصَرُوا" أَيْ: إِنْ قُلْتُمْ ذَلِكَ لَا يُنْصَرُوا، جَعَلَهُ جَزَاءً لِقَوْلِهِ: فَقُولُوا.
وَقَوْلُهُ: تَنزيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ أَيْ: تَنْزِيلُ هَذَا الْكِتَابِ -وَهُوَ الْقُرْآنُ-مِنَ اللَّهِ ذِي الْعِزَّةِ وَالْعِلْمِ، فَلَا يُرَامُ جَنَابُهُ، وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ الذَّرُّ وَإِنْ تَكَاثَفَ حِجَابُهُ.
وَقَوْلُهُ: غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ أَيْ: يَغْفِرُ مَا سَلَفَ مِنَ الذَّنْبِ، وَيَقْبَلُ التَّوْبَةَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لِمَنْ تَابَ إِلَيْهِ وخَضَع لَدَيْهِ.
وَقَوْلُهُ: شَدِيدُ الْعِقَابِ أَيْ: لِمَنْ تَمَرَّدَ وَطَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، وَعَتَا عَنْ (٥) أَوَامِرِ اللَّهِ، وَبَغَى [وَقَدِ اجْتَمَعَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الرَّجَاءُ وَالْخَوْفُ] (٦). وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الألِيمُ [الْحِجْرِ: ٤٩، ٥٠] يَقْرِنُ هَذَيْنِ الْوَصْفَيْنِ كَثِيرًا فِي مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ؛ لِيَبْقَى الْعَبْدُ بَيْنَ الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ.
وَقَوْلُهُ: ذِي الطَّوْلِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي: السَّعَةَ وَالْغِنَى. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ.
وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ الأصم: ذِي الطَّوْلِ يعني: الخير الكثير.
(٢) البين في تفسير الطبري (٢٤/٢٦) وفي صحيح البخاري (٨/٥٥٣) "فتح" منسوبا إلى شريح بن أوفى العبسي.
(٣) في أ: "روى".
(٤) سنن أبي داود برقم (٢٥٩٧) وسنن الترمذي برقم (١٦٨٢).
(٥) في أ: "على".
(٦) زيادة من أ.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ: ذِي الطَّوْلِ ذِي الْمَنِّ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: [يَعْنِي] (١) ذِي النِّعَمِ وَالْفَوَاضِلِ.
وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ الْمُتَفَضِّلُ عَلَى عِبَادِهِ، الْمُتَطَوِّلُ عَلَيْهِمْ بِمَا هُوَ فِيهِ مِنَ الْمِنَنِ وَالْأَنْعَامِ، الَّتِي لَا يُطِيقُونَ الْقِيَامَ بِشُكْرِ وَاحِدَةٍ مِنْهَا، وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا [إِنَّ الإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ] [إِبْرَاهِيمَ: ٣٤] (٢).
وَقَوْلُهُ: لَا إِلَهَ إِلا هُوَ أَيْ: لَا نَظِيرَ لَهُ فِي جَمِيعِ صِفَاتِهِ، فَلَا إِلَهَ غَيْرَهُ، وَلَا رَبَّ سِوَاهُ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ أَيِ: الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ، فَيُجَازِي كُلَّ عَامِلٍ بِعَمَلِهِ، وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [الرَّعْدِ: ٤١].
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ: سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ السَّبِيعي يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] (٣) فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّي قَتَلْتُ، فَهَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَرَأَ عَلَيْهِ حم. تَنزيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ. غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ وَقَالَ: اعْمَلْ وَلَا تَيْأَسْ.
رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ -وَاللَّفْظُ لَهُ-وَابْنُ جَرِيرٍ (٤).
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مَرْوَانَ الرِّقِّي، حَدَّثَنَا عُمَرُ -يَعْنِي ابْنَ أَيُّوبَ-أَخْبَرَنَا جَعْفَرِ بْنِ بَرْقان، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ (٥) قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ ذُو بَأْسٍ، وَكَانَ يَفِدُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] (٦)، فَفَقَدَهُ عُمَرُ فَقَالَ: مَا فَعَلَ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ؟ فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، يُتَابِعُ فِي هَذَا الشَّرَابِ. قَالَ: فَدَعَا عُمَرُ كَاتِبَهُ، فَقَالَ: اكْتُبْ: "مِنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إِلَى فُلَانِ ابْنِ فُلَانٍ، سَلَامٌ عَلَيْكَ، [أَمَّا بَعْدُ] (٧) : فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكَ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، غَافِرُ الذَّنْبِ وَقَابِلُ التوب، شديد العقاب، ذي الطول، لا إله إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ". ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: ادْعُوَا اللَّهَ لِأَخِيكُمْ أَنْ يُقْبِل بِقَلْبِهِ، وَأَنْ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ (٨). فَلَمَّا بَلَغَ الرَّجُلَ كتابُ عُمَرَ جَعْلَ يَقْرَؤُهُ وَيُرَدِّدُهُ، وَيَقُولُ: غَافِرُ الذَّنْبِ وَقَابِلُ التَّوْبِ شَدِيدُ الْعِقَابِ، قَدْ حَذَّرَنِي عُقُوبَتَهُ وَوَعَدَنِي أَنْ يَغْفِرَ لِي.
وَرَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ حَدِيثِ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ، وَزَادَ: "فَلَمْ يَزَلْ يُرَدّدها عَلَى نَفْسِهِ، ثُمَّ بَكَى ثُمَّ نَزَعَ فَأَحْسَنَ النَّزْعَ فَلَمَّا بَلَغَ عُمَرَ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] (٩) خبرهُ قَالَ: هَكَذَا فَاصْنَعُوا، إِذَا رَأَيْتُمْ أَخَاكُمْ زَلَّ زلَّة فَسَدِّدُوهُ وَوَفِّقُوهُ، وَادْعُوا اللَّهَ لَهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِ، وَلَا تَكُونُوا أَعْوَانًا لِلشَّيْطَانِ عَلَيْهِ (١٠).
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ شَبَّة (١١)، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ وَاقِدٍ -أَبُو عُمَر الصَّفَّارُ-، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ فِي سَوَادِ الْكُوفَةِ، فَدَخَلْتُ حَائِطًا أَصَلِّي رَكْعَتَيْنِ فَافْتَتَحْتُ: حم الْمُؤْمِنِ، حَتَّى بَلَغْتُ: لَا إِلَهَ إِلا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ فَإِذَا رَجُلٌ خَلْفِي عَلَى بَغْلَةٍ شَهْبَاءَ عَلَيْهِ مُقَطَّعات يَمَنِيَّةٌ فَقَالَ: إِذَا قُلْتَ: غَافِرِ الذَّنْبِ فَقُلْ: "يَا غَافِرَ الذنب، اغفر لي ذنبي".
(٢) زيادة من ت، وفي الأصل: "الآية".
(٣) زيادة من ت، أ.
(٤) تفسير الطبري (٢٤/٢٧).
(٥) في ت: "وروى أيضا بإسناده عن يزيد بن الأصم".
(٦) زيادة من ت.
(٧) زيادة من أ.
(٨) في س، أ: "أن يقبل بقلبه ويتوب عليه".
(٩) زيادة من أ.
(١٠) حلية الأولياء (٤/٩٧).
(١١) في أ: "ابن أبي شيبة".
تفسير القرآن العظيم
أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي
سامي سلامة